النجاح -  

على مر العصور واختلاف الأزمنة لم ينقطع عداء الكهنوت الديني للعلم والعلماء، ولطالما كانت الغلبة لسطوة هذا الكهنوت، ويروى التاريخ حكايات وأحداث توضح مدى شراسة حروبهم ضد العلم التي فتكت بأهم العلماء في المجالات المختلفة من طب وفلك ورياضيات وفلسفة والذين تدين لهم البشرية بما تحقق من تقدم ورقي وحضارة، وهو أمر لم يقتصر على دين بعينه، فجميع الأديان أفرزت طبقة من رجال الدين ممن ادعوا امتلاكهم الحقيقة المطلقة والحق الإلهي في وراثة الارض ومن عليها، واحكموا قبضتهم على الدين بنشر الخرافات والشك والتعصب واستعداء الآخر، وحجروا على عقول البشر وحرَموا عليها التفكير والتأمل والبحث، ليس لسبب إلا لأن ذلك يقود الى الكشف عن إجابات ونظريات واختراعات تقود بدورها إلى تحرير العقل من الاستسلام لثقافة الخرافة والغيبيات وبالتالي التحرر من سطوة وسيطرة الكهنوت. وفي هذا الإطار عمل الكهنوت على إظهار العلم وكأنه في عداء دائم مع الدين، ففي القرون الوسطى وتحت سطوة الكنيسة في أوروبا لوحق وقُتل العلماء بطرق غاية في البشاعة بتهمة الهرطقة والشعوذة ومزاولة السحر، وحُرقت اكتشافاتهم وكتبهم، ولم يكن نصيب العلماء في العالم الاسلامي أفضل حالاً من نظرائهم في أوروبا إذ لوحقوا بتهم التكفير والردة والزندقة ونالوا ما نالوا من القتل والتعذيب والنفي والسجن.

إفرازات عداء الكهنوت الديني للعلم والعلماء أثر على جوانب عديدة من حياة البشر، إذ كان موقفهم في لحظات زمنية معينة وتفسيراتهم الكهنوتية للأمراض والأوبئة التي تصيب الانسان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بما يحفظ لهم مكانتهم وسطوتهم حتى لو كان ذلك على حساب حياة البشر، فعقيدة الكهنوت قائمة على أن الأمراض من فعل الشيطان وأنها تصيب من ارتكب إثماً أو خطيئة، وأن الأوبئة مثل الجدري والكوليرا تُعبر عن إرادة إلهية، وكونها كذلك كانت ترفض الكنيسة إجراء التطعيم لمواجهة هذه الأوبئة، وكانت ترفض تشريح الجثث بعد الوفاة خشية من أن تنبعث فى الحياة الأخرى بصورة مشوهة، وهذا كان سبباً في تأخر علوم الطب في اوروبا. وفي عالمنا الإسلامي وعلى سبيل المثال لا الحصر، إجتهد أحد علماء الإسلام وأفتى بحرمة التبرع بالأعضاء وعدم جواز غسيل الكلى لمرضى الفشل الكلوى وتركهم يموتون، معللاً ذلك بأن جسد الإنسان ملك لربه ولا يجوز التصرف فيه.

مما لا شك فيه أن انتصار الحقائق العلمية وانطلاق حركة التنوير الديني ساهم بشكل كبير في تراجع واضح لسطوة وتأثير الكهنوت الديني لا سيما في أوروبا والدول المتقدمة والمتحضرة، وبالرغم من ذلك فقد كشفت جائحة كورونا أن تراث هذا الكهنوت ما زال حاضراً، وإن اختلف منسوب ومستوى تأثيره من دين لآخر ومن طائفة لأخرى، إذ رأي بعض رجال الدين في جائحة كورونا عقاب لأصحاب الديانات الأخرى، وأن أتباع ديانتهم محصنين من الاصابة بهذا المرض، ورأي فيه البعض علامة على ظهور السيد المسيح، وآخرين اعتبروه اختباراً للمؤمنين وقوة ايمانهم، وتبعاً لذلك رفض هؤلاء وأتباعهم الالتزام بإجراءات السلامة الشخصية، والتوقف عن أداء طقوسهم الدينية الجماعية، وكانت النتيجة تفشي الفايروس بين هذه الجماعات وسجلت المناطق التي يقطنونها أعلى نسبة من الاصابات وتحولت إلى بؤر لنشر الوباء كما حدث في مدينة بنى براك في تل ابيب التي يقطنها غالبية من اليهود الحريديم المتشددين، وكذلك الحال بالنسبة لأتباع كنيسة شينتشونجي في كوريا الجنوبية الذين كانوا سبباً في ارتفاع وتيرة الاصابات بالفيروس، ولم يختلف الأمر في مدينة قم الإيرانية التي رأى فيها رجال الدين الشيعة أنها محصنة ضد الأوبئة بسبب المناعة الإلهية. 

لم يقتصر الأمر على هذا التفسير الساذج والمتعصب لجائحة الكورونا، فقد تبرع بعض رجال الدين والجماعات الدينية لتقديم وصفات للعلاج من هذا المرض في مزج خطير بين الدين والخرافة، منها على سبيل المثال لا الحصر احتفال جماعة هندوسية بشرب بول البقر كوقاية من الفيروس، ودعوة حاخام يهودي لاحتساء مشروب كحولي يحمل إسم كورونا، ودعوة قسيس لأتباعه لشرب مطهر الديتول ليقيهم من الكورونا، وفي عالمنا الإسلامي دعا البعض لشرب بول البعير، أو تناول حبة البركة أو عدد محدود من حبات التمر، أو اللجوء للرقية الشرعية والطب النبوي، واعتبر بعض رجال الدين الشيعة أن جدران المقامات الدينية بمثابة عقار ضد الكورونا وقد رأينا الكثير من الشيعة يلعقون أبواب وجدران هذه المقامات لأخذ مناعة ضد الفيروس. أما الأمر الآخر المثير للغرابة فهو رفض أتباع بعض الجماعات الانصياع لأوامر وفتاوي مرجعياتهم الدينية في إغلاق أماكن العبادة ومنع الصلوات فيها ورأوا فيها استهداف للدين، وهو ما يشير إلى قوة وسطوة الأيدلوجيا التي امتزجت بالموروث الشعبي لتشكل مجموعة من المعتقدات لا نجدها مكتوبة لا في نص ديني ولا في كتاب مقدس ولا في شريعة ولا في علم، فتصبح حائط صد منيع أمام استخدام العقل في فهم حقيقة الأمور وجوهرها ومن ضمنها هذا الوباء وكيفية التعامل معه وتجنب الاصابة به.

النتائج الواقعية للفايروس جاءت لتنفي وتدحض وبالدليل القاطع كذب وتضليل المزاعم التي تم ترويجها بهدف تديين هذا الوباء، وتكشف حجم الخرافات والخزعبلات التي لطالما سيطر بواسطتها المتدينون على عقول الناس باسم الدين، فهذا الوباء لم يستثني أصحاب أي دين ولا طائفة، ولم تفلح وصفاتهم العلاجية سوى في نشر الفيروس وقتل المئات ممن استجابوا لها، وتم اغلاق دور المعابد من مساجد وكنس وكنائس بقرار من العلم والعلماء، والانتصار للقانون وليس لفتاوي المتدينين، والأهم أن المتدينون بشتى أصنافهم استسلموا أمام العلم وألسنتهم وقلوبهم تدعو أن يوفقهم الله العلماء في اكتشاف اللقاح القادر على هزيمة هذا الوباء وليس مهماً أن يكون كافراً أو مؤمناً، وهو ما يدعو للقول أن العلم بمنهجيته العلمية التجريبية قد انتصر بالضربة القاضية على أصحاب الخرافات وتجار الدين والتربح من أدعياء الطب النبوي، وأعاد العلاقة بين الدين والعلم إلى وضعها الطبيعي والحقيقي وهي علاقة التكامل وليس العداء.

في عالمنا الإسلامي يمكن القول أنه وعلى الصعيد المعرفي فإن الثقافة الإسلامية ما قبل وباء الكورونا ليست كما بعده، حيث سيكون للحقائق العلمية التجريبية التي عايشها المسلمون في هذه الأزمة دور في تشكيل وعي جمعي يسعى لفهم الدين بعيداً عن التسليم بقدسية الإمام وعصمته وعصمة ما يصدر عنه، وسيكون للعقل مكانه في محاولة فهم المسائل الدينية ذات العلاقة بالقضايا الحياتية والطبيعة البشرية ومفاهيم التقدم والرقي والحضارة وأنسنة العلاقة مع الآخر، والانتباه لقيمة الإنسان وجمالية الحياة والكون، وهذا الوعي سينفجر من خلال مجموعة من الأسئلة تقود إجاباتها لصالح الفصل بين الديني والدنيوي والانتصار للعلم والعقل، خاصة وأن وسائل المعرفة باتت متاحة وفي متناول الجميع ولم تعد الحقائق العلمية النظرية والتجريبية داخل دائرة الحجب في ظل عالم الفضاء الالكتروني، وما يوفره من إجابات بالصوت والصورة تدحض خرافات وخزعبلات وكذب الكهنوت الديني، ناهيك عن الدور المنوط بأصحاب الفكر التنويري في استثمار ما أفرزته هذه الأزمة من حجج وبراهين تؤكد صوابية أطروحاتهم وأفكارهم.