سلطان حطاب - النجاح الإخباري - إنها معركة التمثيل أيضاً معركة بقاء القيادة الفلسطينية التي يمثلها الرئيس أبو مازن، والسؤال معركة التمثيل ام معركة التحرير؟ هذا سؤال .. ظل الفلسطينيون يقفون أمامه ويدفعون ثمنه فكلما اقتربوا من التحرير دفعوا كلفة أعلى للتمثيل .. تمثيلهم المستقل حيث "لا تحرير بلا تمثيل وطني فلسطيني" .. وحيث لا جسم حياً بلا رأس.

ارادت الصهيونية أن تبقيهم جسداً ميتاً بلا رأس وبلا تمثيل ليسهل عليها إنكارهم وإنكار هويتهم بل ونفيهم متى أرادت لتحقق مقولة هرتزل "أرض بلا شعب" ..

كان التواطؤ الصهيوني الذي يُدرك. مع التحالف العربي (قبل نشوء الاستقلال) والذي لا يدرك. وأن أدرك فإنه يساوم على إدراكه، أن المطلوب لخدمة الصهيونية قبل قيام إسرائيل وبعد قيامها أن لا يكون للفلسطينيين قيادة تمثلهم لدى المحافل الدولية والعالم أو تتحدث بإسمهم أو تقودهم إلى أهدافهم في الحرية والاستقلال ..

دعونا نثبت ذلك. ونتتبع هذه القضية الهامة منذ بدايات القضية الفلسطينية من خلال النصوص والوثائق والوقائع .. لأن المسألة ما زالت تتكرر وان بأشكال مختلفة وحيثيات متباينة مع بقاء نفس الهدف ونفس الفكرة، اليوم كما الأمس يريدون تغيير القيادة الفلسطينية لأنها لا تخدم مواقفهم ومصالحهم وأدوارهم ووظائفهم وتبرير وجود بعضهم، ولذا فإنهم يريدون حصارها واستبدالها بما يتناسب مع رغبة اسرائيل والحركة الصهيونية ومن خدم اهدافها.

لماذا الان؟ ولماذا عادوا إلى نفس الهدف؟؟

حين تكون القيادة الفلسطينية معزولة وضعيفة وغير قادرة على تمثيل شعبها وقيادته نحو أهدافه يتركونها تعيش الضعف والصدام مع شعبها الذي يتوق للحرية.

وحين تنشط هذه القيادة وتفك العزلة وتبني علاقات دولية مؤثرة وتوصل رسالتها ورسالة شعبها يعملون على الانقضاض عليها بوسائل مختلفة مباشرة وغير مباشرة ..

شاهدنا اليوم قيادة الرئيس محمود عباس أبو مازن ودعونا نعود من اليوم إلى الأمس لنربط بين ذلك ونقول ما أشبه اليوم بالأمس أو الليلة بالبارحة !!

لقد نُكب الشعب الفلسطيني منذ بدأت الصهيونية تخطط لتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود وكانت نظرية هرتزل أن يقنع العالم أن أرض فلسطين بلا شعب، وأنه يريدها لشعب بلا أرض .. ولذا أنكر وجود الشعب وبالتالي أنكر وجود قيادة لهذا الشعب والقيادة تأتي خطورتها ان كانت من الشعب وتمثل إرادته لأنها تنسف نظرية هيرتزل وترد عليها.. وحتى حين كانت الصهيونية ومن بعدها إسرائيل تصطدم مع الشعب الفلسطيني الذي يقاومها، كانت تريد من دول الجوار أو الأنظمة العربية الناشئة آنذاك بعد سايكس بيكو أن تقوم بدور تمثيل هذا الشعب والحديث باسمه ليسهل لها أن تقايض تلك الأنظمة المحتاجة إلى دعم المستعمر ودعم الحركة الصهيونية لهذه الأنظمة حتى تبقى، وبالتالي تحصل على المساعدات المرجوة ..

إذن كانت فلسفة الحركة الصهيونية التي فوضت الاستعمار البريطاني ممثلاً في حكومة الإنتداب عام 1921 وبعد صدور وعد بلفور الذي أعطى فلسطين لتكون وطناً قومياً لليهود، كانت تلك الفلسفة تتلخص بتغييب الوجود الفلسطيني وبرفض قبول ممثلي الشعب للتحدث باسمه بحجة أن الفلسطينيين إرهابين أو متطرفين أو أنهم لا يسلمون لليهود بما يغتصبوه أو يدعوه .. ولهذا كانت الفكرة الصهيونية أن لا يمثل الفلسطينييون أنفسهم وإذا كان لا بد من هذا التمثيل فليكن من العرب سواء في الجوار أو غيره ليكون هؤلاء من يجري التفاوض معهم ويكونوا وكلاء عن الاستعمار وأوصياء على الشعب الفلسطيني حين يتحدثون باسمه وينوبون عنه لتحقيق هدفين معاً .. الأول: إنكار وجود الشعب الفلسطيني. وثانيهما: تمييع القضية وتضيعها عندما تكون بين يدي أناس بعيدين بالإضافة لخضوع هؤلاء الممثلين التام للسياسة البريطانية .. فإن لم يستطيعوا ذلك وفُرض أن تكون الوجوه فلسطينية فلتكن إذن تحت سيطرة وتبعية وتضييع النظام العربي، ولنا نموذج حين أسست مصر منظمة التحرير الفلسطينية في رحم الجامعة العربية وأرادت إستمرار أحكام القبض عليها قبل أن تأتيها قيادة من فتح رفعت شعار "لا وصاية ولا احتواء" ..

المعركة الآن عادت على التمثيل لان القيادة الفلسطينية المستقلة حققت كثيراً من الأهداف وقادت شعبها لمزيد من الانتصارات وقبول العالم والاقرار بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة .. إذن لا بد من احتواء هذه القيادة أو تفريغها أو الانقلاب عليها أو اغتيالها ليتسنى للمخطط الصهيوني أن يبقى نافذاً !!

وتلك وقائع. يقول المؤرخ باي روبن أن لورنس والجنرال اللنبي يشاركون سايكس بيكو "أن الصهاينة سيساعدون العرب في سوريا إذا قام العرب بفتح الطريق أمام اليهود إلى فلسطين" ويقول:  "الصهاينة متأكدون أن هؤلاء المسؤولين العرب يوافقونهم على هذه الشراكة" (انظر الدول العربية والقضية الفلسطينية باري روبين جامعة ساركوز 1981).

هذا موقف بريطانيا في العشرينيات والثلاثينيات من القيادات الفلسطينية فقد لعبت الأنظمة العربية آنذاك صفقات منفردة مع الحركة الصهيونية مقابل مساعدة الحركة الصهيونية لها وتفهم حاجاتها في البقاء .. وظلت هذه الصفقات التي يرغب قادة عرب أن تكون سرية في حين كانت الصهيونية تعلن عنها!!

ولهذا كان المطلوب آنذاك أن يسقط من الحساب الحديث مع القيادة الفلسطينية !!

وظلت اللعبة سارية بين الحريين العالميتين وظل بعض العرب آنذاك يؤمن بحق اليهود في فلسطين من أجل مساندته وحل قضاياه الداخلية أما في العلن فإن قضية فلسطين على ألسنة الخطباء والقادة العرب فهي قضية قومية وهي جنوب سوريا وهي قضية مركزية !!

وهكذا ظلت القيادات العربية جاهزة لتسليم أي قيادة فلسطينية أو مواجهتها أو اتهامها وهذا ما حدث مع ثورة عز الدين القسام ومعه شخصياً، حين قاتلته القوات البريطانية وخذله العرب بأن طلبوا من شعبه أن "يخلد إلى حسن نوايا الصديقة بريطانيا" .. وبعد ذلك وقبل النكبة حين دخلوا بالجيوش وجاء جيش الانقاذ طلب من الفلسطينيين "أن لا يقاتلوا وأن ينتظروا الجيوش العربية لتخلص لهم وطنهم !!

ووقعت النكبة وقامت الهدنة وذهبت الانظمة لتوقع في رودس ونسيت شعب فلسطين وقضيته وأنكرت قيادته وتبرعت بحقوقه ونفذت بريشها أو جلدها!!

وجرى تجاهل اسم فلسطين تماماً وحتى الحكومة العاجزة التي شكلها الفلسطينيون لتحمل اسمهم "حكومة عموم فلسطين" والتي ولدت عاجزة ولم يمض عليها إلا عام واحد حتى طردها العرب من غزة إلى مصر ليعزلوها ولم تجر دعوتها أو الاتصال بها وكانت النتيجة سنوات طوال من الضياع بعد أن طرد شعب فلسطين وأرادت جولدا مائير تحقيق صرختها بالقول: "أين هو الشعب الفلسطيني؟" مستنكرة وجوده لأن قيادته جرى ضربها وحلّها !!!

وكانت النتيجة صفقات وتوقيع إتفاقيات هدنة وتقسيم أقرته الأمم المتحدة ولم تجد أحد لإحقاقه أو المطالبة بالحصة الفلسطينية فيه وتحول الصراع حسب المفهوم الصهيوني باعتباره صراع حدود بين اسرائيل والانظمة العربية آنذاك ..

ولذا قامت إسرائيل بإلتهام الجزء الأكبر من فلسطين وقامت أطراف عربية بإلحاق ما تبقى من فضلة!!!

وانتهت القضية آنذاك بشكل مؤلم "وذابت الشخصية الوطنية" في أروقة الجامعة العربية وتحولت قضية الفلسطينيين إلى "قضية طعام ومسكن ووكالة غوث" ولم تقم الدولة الفلسطينية ولم يحصل الفلسطينيون على دولتهم ولم يساعدهم أحد على ذلك ..

لقد ظل تشرتشل يردد الرغبة الصهيونية ويحميها حين كان يرفض اسم الشعب الفلسطيني ويخاطب بدل ذلك العرب ويقول لهم "الشعب الذي تمثلونه" دون أن يقول اسم الشعب هذا .. ولم يكتف بذلك بل كان يطلب من الفلسطينيين أن يبحثوا عن الوسائل اللازمة لتنفيذ السياسة البريطانية في فلسطين.

واستمر ذلك ورأينا رؤية تشرتشل ورؤية الحركة الصهيونية التي كانت إسرائيل وكيلتها تتحقق في كامب ديفيد المصرية في صفقة السلام مع مصر حين تحدثت مصر آنذاك بالنيابة عن الفلسطينيين حول مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة وجرى تغييب الشعب الفلسطيني وممثله آنذاك منظمة التحرير الفلسطينية ووقع السادات نيابة عنهم في صفقة حصل فيها على سيناء ناقصة السيادة مقابل أن ينسى الاستحقاق الفلسطيني بل أنه فرط فيه تماماً .. وظل السؤال لماذا عملها السادات؟ والجواب هو ما رأته الحركة الصهيونية بداية القرن من تغييب الشعب الفلسطيني وقيادته ..

من قبل قلنا أن حكومة عموم فلسطين اعتقلت ونفيت من غزة إلى القاهرة لتدفن هناك .. وبعد ذلك كانت صفقة كامب ديفيد والقيادة الفلسطينية متغيبة رغم أن منظمة التحرير الفلسطينية كان لها تمثيل في (120) دولة .. فكيف فعلها السادات ولماذا وما دوافعه ؟؟

وبنفس الطريقة غيّب حافظ الأسد القيادة الفلسطينية الممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية عام 1983 حين لم يكتف بإنكارها بل عمل ما عجزت إسرائيل عن عمله حين شق المنظمة وطرد ياسر عرفات من الأرض السورية وصنع شكلاً منشقاً يتبعه ..

نعم لقد استبعدوا الكيانية الفلسطينية وعملوا على طمسها وتجاوزها بناء على رغبة القوى التي عملوا من أجلها وادعوا "أن فلسطين صغيرة وهم كبار" .. وأنهم يريدون الحفاظ على الأجزاء الكبيرة العربية من آسيا مقابل الصغيرة ..

وهذا ما جاء في تقرير لجنة بيل البريطانية وما جاء في مخاطبة رياض الصلح عام 1931 لجمال الحسيني أمين عام اللجنة التنفيذية العربية .. "يا جمال عليك أن تتعامل مع الصهيونية باعتبارها واقعاً لأن ذلك في مصلحتنا" .. فيرد عليه جمال الحسيني: بصفتك سورياً لا تتدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية" ..

إنه تنازع التمثيل ومحاولة المساومة عليه والمقايضة به وها هي الصورة إنهم يحاولون .. أليس كذلك يا أبو مازن؟ .. ما زالوا يستحضرون الجريمة ويعملون على تكرارها لكن في مواقع أخرى من عالمنا العربي وبعد أن لم تستطع دول الطوق ذلك أنيط الأمر لبعض دول النفط التي حملت المخططات حمل المتلمس للصحيفة التي فيها قتله دون أن يعلم!! ..

وقد لا تكون تدرك تلك الدول أن هذه مخططات الحركة الصهيونية ما زالت تتجدد وما زالت تبحث عن منقذين ان لم يكن بجيوشهم فابأموالهم .. وأن لم تكن بوجوه عربية فبوجوه فلسطينية هي أقرب إلى العرائس التي تربط بخيوط في أصابع محركيها الذين هم ليسوا فلسطينيين ولا ينتمون لفلسطين ..

لقد ظلت النظرية الصهيونية مقتنعة بأن "الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة وبغداد" وغيرها من العواصم العربية آنذك .. وأن عواصم جديدة ناشئة تدخل الآن أو كانت بعيدة أو في الاحتياط .. وان الاتفاق مع العرب الفلسطينيين يمكن أن يتم فقط من خلال إقامة علاقات مع القادة الحقيقيين الذين لديهم سلطة مطلقة ..

إذن مصر أنشأت المنظمة وجاءت بأحمد الشقيري 1964 لتضعه رهينة .. وسوريا شقت فتح والمنظمة عام 1983 وأنشأت عام 1984 جبهة الخلاص الوطني ومجموعات تابعة لها ..

وبعد معركة الكرامة زرع كل نظام عربي لنفسه منظمة وتبعها بوصف "فلسطينية" ليستثمر في بورصة العمل الفلسطيني الذي لمع بعد معركة الكرامة 1968 ليس حباً في فلسطين دائماً وإنما  إمتطاء لخيولها التي تسبق .. وضعت تلك الفصائل والمنظمات التي غابت فيما بعد عندما عادت القيادة إلى الوطن أو ظلت تلك الفصائل يافطات أو ظلت تجلس قياداتها في الأحضان التي صنعتها دون أن تفعل شيئاً سوى تشويه القيادة الفلسطينية ومحاولات إضعافها والنيل منها ..

فالقضية الفلسطينية أصبحت منجماً تحل قضاياهم بالمقايضة عليها لقد شطب أسم فلسطين بعد عام 1948 عن الخارطة وشطب على يد النظام العربي آنذاك .. حتى عن المطاعم والفنادق والنوادي والصحف أو حتى محلات البناشر وتحول الشعب الفلسطيني إلى جسم بلا رأس ..

ألم يطاردوا الحاج أمين الحسيني الذي ضاقت عليه الأرض العربية بما رحبت؟ .. ولم تحمه أو تمكنه بل طاردته ونفته إلى أن مات في بيروت؟ لأنه كان مطلوباً تغييره والقضاء عليه ومنعه من حضور أي مؤتمر يبحث القضية الفلسطينية وقالوا له: "عليك أن تخلد إلى الراحة ونحن نعيد فلسطين لكم أيها الفلسطينييون" ..

في سنوات العتمة تلك وبعدها .. ومع عودة الشعب الفلسطيني إلى الوعي الذي جرى تغييبه بالمطاردة في المطارات والعواصم .. أنبلجت فتح عام 1965 لترد على مشكلة (الوصاية والاحتواء) تلك المرحلة بداية الستينات، سؤل الشقيري: "كيف تخدم القضية؟ فأجاب: أنه يائس من النظام العربي وأن الإمكانية هي بالعمل الفردي فالوضع لا يحتمل الجماعي لقد أسماها الشقيري "مرحلة الغرف السوداء" وقال: "أنه الوحيد الذي يعرف ما يجري فيها وأن النظام العربي يطالبه أن يكذب على شعبه. قالها "كانوا يتآمرون على شعبي في الغرف المظلمة ويدعون أمام الصحافة أنهم يعملون على تحسين أوضاعه ويطلبون مني أنا الفلسطيني أن أكذب على الناس وعلى شعبي وأن أضلله" ..

نعم إنبلجت فتح في مثل هذه الأيام قبل (62) عاماً واسقطت مشروع التوطين في سيناء حين حركت شعبها .. واتهم الفلسطينييون كلما أرادوا أن يتحركوا بالعمالة والتجسس والتقاعس في الحرب وبيع الأرض والهروب من الوطن .. وقيل لهم "هل لا يعجبكم الذي نعمله من أجلكم ونضحي في سبيل قضيتكم .. فماذا تريدون منا أكثر ؟!

ومع إنبلاج فتح .. انبلج (36) تنظيماً بأسماء مختلفة بعضه أصيل وبعضه مثل الهالوك الذي يأكل الزرع..