حنان باكير - النجاح - نمتلك حق التصور والتخيّل الآن. ليس تخيلا من قبيل الفانتازيا أو الهوس، بل يمكننا تخيّل ما جرى عام نكبة الـ 48.. ولدينا الدليل الحي والملموس، للسيناريو المؤامراتي الذي تعرضت له فلسطين آنذاك. حيث نواجه مواقف متشابهة بين، نكبة العام 48، حيث التكالب الدولي و"الأخوي"، أعني التواطؤ العربي الرسمي، على القضية الفلسطينية، وبين الموقف اليوم، حيث تم تكريس الإعتراف باغتصاب الوطن، ويتم تكريس القدس عاصمة له! لم نكن قد ولدنا زمن النكبة الأولى بعد، لكنا حفظنا حكايا أهلنا، الذين وعوا البلاد، وكانوا ثوارا، لا يقلون تضحية وتحديا للموت، عن شعبنا في الداخل المحتل الآن. مع فارق أن التكنولوجيا، حينذاك، لم تكن مثلها الآن. سمعنا من الناس، كيف كانت سيارات تابعة للجيوش العربية، تجوب الطرقات، وتدعوا الناس لمغادرة البلاد لمدة خمسة عشر يوما، فوجودهم يعيق تحرك الآليات التي جاءت محررة!

اختلف العرب في المحافل الدولية، على موضوع تقسيم فلسطين، في العام 1947. وتنادوا زرافات ووحدانا الى هيئة الأمم المتحدة، للتصويت على منع قرار التقسيم. بلغ حرج الموقف، حدا حاسما، وكان، الاتصال بدول الكتلة الشرقية، الحل الوحيد، لترجيح كفة التصويت، لصالح رفض القرار، وهذا ما ارتآه الوفد الفلسطيني، برئاسة جمال الحسيني. فكان موقف معظم القادة العرب.. "لن نصبح شيوعيين من أجل فلسطين"! والقصد ملحدين.. واليوم تُعرض مقدسات المسلمين بمزاد علني بخس.. والأرجح بلا ثمن! ويخوض بعض العرب حرباً دبلومسية، حول إعلان القدس عاصمة للكيان المغتصب.

سبعون سنة مرت على النكبة، ولم تطلق الدول العربية، وثائق حرب الـ 48. وما هو دور الجيوش العربية في فلسطين، والمعارك التي خاضتها، وكيف فشلت جيوش سبعة، في هزيمة عصابات طارئة على المكان. بعض الفيالق العربية التي شاركت، في القتال، كانت من دون أوامر من قياداتها العسكرية. والكتيبة العراقية خير مثال.

الإسرائيليون، فتحوا أرشيف حربهم، ووضعوه في خدمة الباحثين، بعد مرور أربعين سنة، وفقا للقانون. وكان من أحد أسبابه ظهور "المؤرخين الجدد"، الذين كشفوا عن مجازر كانت مجهولة. وبحثوا في التاريخ المظلم للحركة الصهيونية.. رغم تراجع بعض هؤلاء المؤرخين واعتذارهم عن كل ما كتبوا مثل بني موريس. وإن تابع آخرون الطريق مثل آلان بابيه.

الصدفة هي التي كشفت حقيقة السلاح الفاسد الذي زُوّد به الجيش المصري، ومن الأرشيف الاسرائيلي، عرفنا تنكّر غولدامائير بزيّ رجل بدويّ، ومقابلة أحد الزعماء العرب وتحذيره من مغبة ارسال جيشه، فاعتذر، لحراجة موقفه أمام شعبه، وتعهد بعدم إطلاق جيشه، أيّ رصاصة في فلسطين! أرشيفنا العربي، ما زال سريّا للغاية!

ويستحضرني الآن موقف الزعيم أنطون سعاده، من فكرة إرسال الجيوش العربية الى فلسطين.. قال بما معناه، ان فلسطين لا ينقصها الرجال، لكن ينقصها السلاح، أرسلوا لهم السلاح فقط! مضيفا أن المؤامرة واضحة وتطبخ على نار حامية! لكن فوزي القاوقجي، قائد جيش الإنقاذ رفض تسليم السلاح لعبد القادر الحسيني، أثناء اشتعال معركة القسطل.

واليوم نشهد مواقف متشابهة، مواقف رسمية خجولة لبعض العرب، وتنطوي على الإعتراف الضمني بالقرار "الترامبي" المنفرد، الذي تم التمهيد له، بحملة تشويه إعلامية شعواء، استهدفت الشعب الفلسطيني، بتاريخه، وقيمه ومناقبه، وبطرْح حلول، لا إنسانية، بل يمكن وصفها بالعنصرية، ناهيك عن تأكيد اعترافهم الضمني والعلني، بأكبر سرقة في التاريخ، و" روحوا يا فلسطينيين بلطوا البحر"!

حان الوقت لتصحيح اتجاه بوصلتنا، فالصراع ليس على مسجد وكنيسة، بل على الأرض، التي سكنها أسلافنا، قبل آلاف السنين، وقبل ابراهيم، والديانات الثلاث. وهذا باعتراف التوراة في مروياتها. وللتمييز بين المواقف الرسمية والمواقف الشعبية، نرفع القبعة لشعوبنا العربية، وللطيّار الأردني، الذي أعلن ومن الفضاء، اسم فلسطين وعاصمتها القدس.