نابلس - غيداء نجار - النجاح - "شعرت بغصة في قلبي حينها، وكأن قلبي استقبل نداءً أنني فقدت عزيزاً، وبدأت أتشاور مع عقلي هل هو نفسه التي تبكيه أمي؟ أهو من قابلته من مدة سنة تقريباً أو أكثر، قابلته هناك في حفل أهالي الأسرى، كنت في العاشرة من عمري حينها، وكان هناك حفل لمواساة وتشجيع أهالي الأسرى، وكان هو أيضاً هناك، وحينها ألقيت قصيدة أهديتها لأخي الأسير في ذاك الوقت وبكيت وبكى الحضور معي، وتوجه نحوي وقبلني قائلاً "إنه بطل، ولا تقلقي فبإذن الله الفرج قريب".

في الحادي عشرة من نوفمبر عام 2004، وعند الساعة الرابعة عصراً تحديداً، صدحت جوامع بلدتي عنبتا بآيات من القرآن الكريم معزية الأهالي ومعلنةً لهم خبر استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات.

أذكر تلك اللحظات بتفاصيلها، دموع أمي التي انهمرت على خدودها وبدأت ترثيه قائلة "راح الحنون، راح المنيح".

ها أنا اليوم أرثيه بمرور ثلاثة عشر عاماً على رحيله، نعم رحل جسده في ذلك اليوم ولكن ذكراه ما زالت في قلوبنا، رحل وترك بزته العسكرية التي لم تفارق جسده يوماً، وترك كوفيته وعقاله، وسلاحه.

تذرف عيناي الدموع في كل مرةٍ أتذكر ذاك المشهد، حينما ودع القائد الياسر شعبه معلناً رحيله لتلقي العلاج، كعادته كان يبتسم لشعبه ويلوح لهم موزعاً القبلات من باب المروحية، ببدلته العسكرية، ولكن بدون العقال هذه المرة بل ارتدى قبعةً شتوية، وكان ذلك في آخر لقاء وآخر قبلات لشعبه الذي ناضل وجاهد من أجله، أتذكر أبناءه المناضلين الذين ذرفوا الدموع وهم يلوحون له، ليس هم فقط فالآلاف بكوا لوداعه.

ما زال الشعب الفلسطيني يبكيه ويحي ذكراه في كل عام، فلماذا كل هذا الحب؟ وما الذي يميزه عن بقية الرؤساء والقادة والزعماء؟

أبا عمار استطاع أن يحفر اسمه في ذاكرة كل فلسطيني وعربي، بشخصيته الكاريزمية، أصبح رمزاً للنضال الفلسطيني وللقضية الفلسطينية، فلقد كان يجيد لفت الأنظار إذا ما اعتلى أي منصة ليرتجل كلمة، حيث كان خطابه بسيطاً تلقائياً تخرج الكلمات من القلب لتلامس القلب، فكانت أقواله لها فعل السحر تشد الجميع لسماعه، له حضور شعبي واسع، وكان يتميز بالحنكة السياسية، لذا اعتبروه الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط،حيث كان أمام وسائل الإعلام يفاوض ويتحدث عن السلام ويشجع على الجهاد سراً.

وأذكر عندما كانت المحطات تبث له مقاطع وهو يتفقد أحوال الشهداء ويقبل جبين الجريح ويديه، ورأس أم الشهيد وأيدي الأطفال، فهو لم يشعرنا بأنه رئيسنا بل هو الأب الحنون على رعيته، ولربما هنا يكمن سر حب شعبه له.

في نوفمبر عام 1974مـ دعت الأمم المتحدة ياسر عرفات ليلقي خطاباً تاريخياً أمام الجمعية العامة وزعماء الدول المشاركة فيها، فكان لخطابه بالغ الأثر في تأييد اغلب دول العالم الثالث لحقوق ومطالب الشعب الفلسطيني، وقال عبارته الشهيرة في ختام الخطاب: “جئت حاملا غصن الزيتون في يدي، وبندقية الثائر في يدي، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي .. الحرب بدأت من فلسطين، ومن فلسطين سيولد السلام”، والآن أنا أقول لو كان غصن الزيتون يستطيع البكاء لبكى على رحيله.

عندما كان الشعب يهتف له، كان يقول: " لا تهتفوا لي بل اهتفوا لفلسطين والقدس.. بالروح بالدم نفديك يا فلسطين … على القدس رايحين شهداء بالملايين".

ومن عباراته أيضاً: ”ليس فينا وليس منا من يفرط بذرة"، "يا جبل ما يهزك ريح"،  “القدس عاصمة دولة فلسطين الأبدية والي مش عاجبو يشرب من بحر غزة”، “هذا الشعب شعب الجبارين لا يعرف الركوع إلا لله تعالى”.

وفي نهاية مقالي سأكتفي بأن أقول: أبا عمار.. لن ننساك، ولن تنساك فلسطين، ولن تنساك الأجيال القادمة، وستبقى خالداً بقلوبنا، وستبقى كلماتك وعباراتك الشهيرة حاضرةً في الذاكرة، وستبقر رمز القضية والرقم الصعب.