رجب أبو سرية - النجاح - بعد خمسين عاما كاملة، على احتلال إسرائيل لما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، لم يكن الأمر بمثابة « توسع جغرافي « لدولة أعلن عن قيامها دون سياق تاريخي سابق، قبل ذلك بتسعة عشر عاما، فقط، ولم تكن اللحظة تعبر عن هزيمة جيوش عربية أمام دولة تدعي أنها مهددة وجوديا، كذلك لم يكن الأمر يعني أبدا احتلال أراضي ثلاث دول عربية خاضت الحرب مع إسرائيل وانهزمت أمامها، وحسب، وكان من نتائج الحرب أن احتل الجيش المنتصر بعضا من أراض تلك الدول، بل إن الحرب كانت مجرد فصل من فصول الصراع في المنطقة، والذي يدور منذ نحو قرن من الزمان بين طرفين محددين لكل مهما حلفاء وشركاء، يشاركون في مواجهة ولا يشاركون في أخرى، لكن طرفي الصراع يبقيان هما : فلسطين وإسرائيل .

ولأن المجتمع الدولي أدرك هذه الحقيقة مبكرا، فقد كان قرار التقسيم عام 1947 حين قرر الانتداب البريطاني الرحيل عن فلسطين، وقرار التقسيم قال بإقامة دولتين : عربية ويهودية، فلسطين وإسرائيل، لذا فانه إذا كانت نتيجة حرب العام 1948 بين الجيوش العربية والجماعات المسلحة اليهودية انتهت بهدنة، بعد أن احتلت الجماعات المسلحة اليهودية التي صارت جيش إسرائيل لاحقا، أراضي أضافية من ارض دولة فلسطين حسب قرار التقسيم، فان ذلك لم يكن يعني بأنه أكثر من تجاوز حدودي للنزاع بين "دول" متحاربة.

لكن نتيجة العام 1967 كانت تعني بأنه قد تم احتلال ارض دولة فلسطين بالكامل، وان الصراع بذلك قد تحولت وجهته، ولم يعد باتجاه رفض وجود دولة إسرائيل أو مكافحة اغتصابها لفلسطين، بل صار مقاومة لاحتلال أجبني لأراض دولة أخرى منصوص على إقامتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ العام 1947، ولأجل هذا فان المجتمع الدولي بمن فيه اقرب حلفاء إسرائيل _ الولايات المتحدة _ لا يمكنه القول إلا بحل الدولتين، ولا يمكنه إن يقر باحتلال إسرائيل لأراض دولة فلسطين التي قام باحتلالها عام 1967، مع حق يبقى لدولة فلسطين باللجوء للتحكيم الدولي فيما يخص الحدود المنصوص عليها بقرار التقسيم إياه، لفرض التراجع على دولة إسرائيل إلى حدودها التي اعترف بها المجتمع الدولي في إطارها وعلى أساسها.

من يعود لقرار التقسيم أولا وثانيا لطلب إسرائيل بعد إعلانها من قبل ديفيد بن غوريون، يلاحظ أن الأمم المتحدة رفضت في المرة الأولى طلبا تقدمت به إسرائيل في خريف العام 1948 لنيل عضوية المنظمة الدولية، وفي ربيع 1949 تمت الموافقة المشروطة على عضوية إسرائيل كدولة بناء على إعلان إسرائيل بأنها تقبل بدون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وإعلانها بأنها تتعهد بتطبيق قرار الجمعية العامة رقم (181) بتاريخ 29/11/47 أي قرار التقسيم والقرار (194) بتاريخ 11/12/1948 الخاص بعودة وتعويض اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا من ديارهم في دولة فلسطين أو دولة إسرائيل حسب قرار التقسيم.

إذا المطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراض دولة فلسطين المحتلة منذ خمسة عقود، إنما هو مطالبة بتحقيق العدالة الدولية، ويعتبر مفتاحا لحل الصراع، بإعلان إقامة دولة فلسطين على تلك الأراض، ثم بعد ذلك يتفاوض الجانبان على حل النزاع على أساس قرار التقسيم.

ليس مطلوبا من فلسطين أن تفاوض من اجل حل النزاع مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراض 67، بل تفاوض من أجل التوصل لآلية تنفيذ الانسحاب وفقا لقراري مجلس الأمن(242) و (338).

انسحاب إسرائيل من القدس الشرقية بما في ذلك حائط البراق، وكل الضفة الغربية بما فيها الأغوار وصولا إلى نهر الشريعة، وكل قطاع غزة، بما في ذلك الحدود الدولية البحرية ، بلا مقابل ودون قيد أو شرط، وهذا يحتاج إلى مقاومة الاحتلال بكل الأشكال الممكنة، وانسحاب إسرائيل إلى خطوط العام 1967، لا يعني أن الصراع انتهى بين دولتي فلسطين وإسرائيل أو انه يمثل الحدود الفاصلة بينهما، بل يعني بدء التفاوض بينهما من أجل إنهاء الصراع الحدودي بعد اندلاع الحرب عام 1948 والتداخل الحدودي الذي صار بينهما نتيجة ذلك.

والجميع يعرف بان حرب العام 1948 توقفت بين الدول العربية وإسرائيل، وليس بين إسرائيل ودولة فلسطين، ثم إن توقف الحرب لم يعن إنهاء الصراع، حيث أن حدود الهدنة هي ليست حدود الدولة، وإسرائيل نفسها لم ترسم حدودها حتى اللحظة، طمعا بالطبع إلى أن يكون من شأن الأمر الواقع أن يمنحها أراضي أضافية.

الصراع ما زال مفتوحا بين الطرفين، وسيبقى سنينا طويلة، وكما أن اتفاقات الهدنة لم تضع له حدا، ولا نتائج حروب العامين 1948، 1967، وكما لم تضع له حدا اتفاقيات كامب ديفيد 1977، إعلان أوسلو 1993 ووادي عربة 1994، فان اتفاق سلام جديد لن يضع له حدا، لأن « المنتصر « إسرائيل بروح المحتل والمغتصب سيظل يطمع في أن يحقق بالإكراه مكاسب أضافية، وقد تعلم هذا بنتيجة حرب 48 حين تجاوز حدود الدولة اليهودية بقرار التقسيم، وبنتيجة حرب 67 حين احتل ما تبقى من ارض دولة فلسطين وأراض عربية أخرى، فيما سيظل الطرف المقاوم «فلسطين» يحارب من اجل حقه الطبيعي أولا ومن اجل تحقيق العدالة الإنسانية ثانيا.

لذا فإننا نقول لمن يفكر في الإطار التفاوضي، خاصة الإدارة الأميركية، بأنه لا بد من ممارسة الضغط على إسرائيل، بمطالبتها بالأنساب من الأراضي المحتلة عام 1967 تطبيقا للقرار 242، قبل كل شيء، ولابد من فرض الحصار عليها كما يفعل المجتمع الدولي مع كوريا الشمالية أو مع إيران أو حتى مع دولة داعش وتوجيه إنذار لإسرائيل: أن لم تنسحب خلال فترة محددة فانه سيتم إجبارها بالقوة، بما في ذلك، تشكيل قوات تحالف دولي لإخراجها من أراض دولة فلسطين كما فعلت مع قوات صدام حين أخرجتها من أراض دولة الكويت المحتلة، هذا هو حلم فلسطين والشرق الأوسط والبشرية جمعاء بتحقيق العدالة في هذا المكان من العالم.