بشار دراغمة - النجاح - تتزاحم الحكايات في ذات المكان، تقفز الذكريات تباعًا وأنت تُقلّب ناظريك ذات اليمن وذات الشمال، تأسرك صورة ويخطف بصرك قلم حبر جاف، وتمضي بك وثيقة إلى زمان ما،  تتأمل مكتبًا تلفه ثلاثة كراسي خشبية، إلى جانب سرير لم ينصع بياضًا وذكريات أخرى ولكل ما في المكان حكايته الخالدة.

في بقعة تراشقت عليها الأسماء فقالوا هي مدينة القمر، وسجلها التاريخ كأقدم مدينة في العالم وبحكم الجغرافيا جلست في قعر الأرض، وقيل ما قيل عنها، في هذا المكان الاستثنائي ضرب متحف الكوفية لذاته اسماً وزماناً، وإن كانت الكوفية عنوانًا للمكان، فإنَّ صاحب الكوفية الشهيد ياسر عرفات صانع الحدث وصاحبه حتى وهو في ضريحه.

أفكار متناثرة في غرفة أخبار موقع النجاح الإخباري في نابلس، تتحول فجأة إلى قرار بالانتقال الجماعي والفوري إلى غرفة متحف الكوفية في أريحا وكان "باص النجاح" عنوانًا وأداة للتحرك الجديد.

داخل المتحف تتمدّد الذاكرة الضيقة حتى تكاد ترتطم بكل ما فيك من أحاسيس، ترهبك هيبة الصورة وتبكيك في الأوان نفسه، تتسلل إلى داخلك ثورة من المشاعر لن تتتكفل مغادرة المكان بزعزعتها أو قتل حدتها، فالدقائق المعدودة  كفيلة بحملك إلى عالم آخر يفيض بتفاصيل التاريخ الفلسطيني وصانعه.

تتأمل قلم الحبر الجاف الذي كان يستخدمه الرئيس الراحل أبو عمار، تقفز بك الأحداث تباعًا للتساؤل تارة في ذاتك وأخرى أمام زملائك، كم قرار وُقع بهذا القلم، وأي دور لعبه في تغيير حياة الشعب الفلسطيني، ولو بقي صاحب القلم على قيد الحياة ما القرار التالي الذي سيوقعه.

تجبر ناظريك على التحرك إلى مكان آخر، فالوقت متحكم أساسي بتفاصيل الزيارة، تقف خاشعًا أمام السرير الأبيض والخزانة الصغيرة، يا إلهى لهذا الحد كانت حياة الراحل أبو عمار متواضعة، لماذا ترك رفاهية في متناول يده جانبًا والتزم تفاصيل حياة الجبال والثورة، أي عبرة أراد إيصالها لنا؟ ماذا تريد خشبات السرير أن تلقّننا دروسًا؟ لن يوقف كم الأسئلة الهائل مؤقتا على الأقل إلا مواصلة التجول في متحف الكوفية، وبجميع الأحوال لن تنجح في الخلاص من جبال التساؤلات فحمالة الملابس التي نصطلح على تسميتها "شماعة"، ما زالت ترفع الكوفية عاليا لتخبر ذاكرتنا بالمزيد من ملامح حياة الختيار ولتأكد لنا أن العرفاتية فكرة لا شخص، والموت نفسه لا يمكن أن يغيب ياسر عرفات وإن فعل ذلك بجسده.

في متحف الكوفية تتجسد عبارة الرئيس الراحل بأنَّ الثورة الفلسطينية ليست بندقية فحسب، وإنَّما قلم أديب وقصيدة شاعر وريشة فنان، والرفوف التي حملت كتاب "فلسطيني بلا هوية" تخبرنا اليوم أنَّ أبو عمار هو الهوية ذاتها.