بشار دراغمة - النجاح -
بشار دراغمة
نفرح لكل صورة مصافحة جديدة تجمع طرفي الانقسام بعد أن ترك عقد من الزمان آثاره المدمرة على قطاع غزة، لكن حالة الفرح ربما تتأثر بهزات ارتدادية لتصريحات تأتي من هنا وهناك توصف بالتوتيرة وتصب في خانة المنتفعين من استمرار الانقسام. 
وتكثر خلال الأيام الماضية محاولات رمي الكرة في ملعب الآخر، وكأن الأمور تتدحرج باتجاه من يتحمل المسؤولية في عدم إنجاز الملفات كاملة حتى الآن، رغم تأكيد المتحاورين على وجود جدول زمني لكل القضايا، لكن الغريب أن من يعلمون بتفاصيل الجدول الزمني الدقيقة وينطقون عبر وسائل الإعلام بأرقام مختلفة من نوفمبر وديسمبر وما تلاها من شهور، يطلبون القفز على التواريخ والحقائق في الوقت ذاته ويريدون أن يروا غزة جنة الله على الأرض.
حلم جميل ومشروع أن نرى غزة كذلك، نتمناها قطعة من باريس وأكثر، لكن ليحسم المتحاورون القضايا العالقة أو يضعوا الناس بدقة في صورة الأوضاع، فكيف يُطلب مسؤولون في حماس تشغيل المعابر في غزة دون حسم الملف الأمني، ودون تواجد العناصر الأمنية الفلسطينية الرسمية في المكان، وهم يعلمون جيدا أن الأمور بالأساس مخطط لها في الجدول الزمني كما يقولون في تصريحاتهم،  وأن بقية التفاصيل سيتم الاتفاق بشأنها في حوارات القاهرة في الحادي والعشرين من الشهر الجاري بمشاركة كل الفصائل الفلسطينية.
ما يجري الآن أن البعض يحاول إلقاء مسؤوليات على الآخر لعدم مشاهدة حافلات المسافرين تمر عبر رفح، بعد أن قال أن إجراءات التسليم تمت وكأن الأمر انتهى بذلك، ويبدو المشهد ليس أكثر من محاولات "ظهور إعلامي" للتبرير للناس سبب عدم معبر رفح حتى الآن والمعابر الأخرى، والمتحدث عبر الفضائيات العابرة للقارات يعلم علم اليقين أن المعبر لن يعمل بمجرد التقاط صورة الاستلام والتسليم، وهو يدرك وكما يقول في مناسبات إعلامية أخرى أن الأمور بحاجة إلى ترتيبات فيما يتعلق بالمسألة الأمنية.
اليوم خرج رئيس الوزراء الدكتور رامي حمدالله عن صمته ووضع الجميع في صورة ما يجري ولماذا لم تعمل المعابر حتى الآن، ووجه كلماته للشباب مباشرة وعبر البوابة الزرقاء المحببة لهم، ليؤكد أن الخطط جاهزة بشأن غزة وكل ما تنتظره الحكومة هو الاتفاق على آليات العمل بين حركتي فتح وحماس، وحسم المسألة الأمنية وبدء عناصر الأجهزة الرسمية انتشارها على المعابر وغيرها من النقاط المطلوبة للبدء بتنفيذ الخطط المعدة من اللحظة الأولى للاتفاق على انجاز ملف المصالحة.
الأوضاع على الأرض لا تحتمل التصريحات التوتيرية، لكنها تحتمل الكثير من الصراحة مع المواطن في غزة، والمطلوب من المتحدثين عبر الفضائيات أن يكون حديثهم صريحا بأن حسم المسألة الأمنية وإنهاء هذا الملف يعني فتح المعابر وعملها بشكل اعتيادي، وأن لا يطلبوا من الجهات التنفيذية فعل ما لم يتم الاتفاق عليه بعد، وأن نتجاوز محاولات رمي الكرة في ملعب الأخر دون أن ندرك أن الكرة نفسها هذه المرة هي الملف الأمني. 
الشعب الفلسطيني على قدر عال من الوعي، وليس غريبا أن يكون كل فرد فيه محلل سياسي وعسكري وخبير استراتيجي وقادر على فهم الأمور بصورتها الصحيحة، ولن يختلف على أن المصالحة تمت نظريا حتى الآن، لكن الخطوة العملية الفعلية مرهونة بنشر الأجهزة الأمنية الرسمية في كل قطاع غزة وتسوية هذا الملف وحبذا لو بدأنا بالأصعب لكنت الأمور أكثر يسرا ولتجنبنا مرحلة الردح لعدم فتح المعبر حتى الآن.