د. سائد الكوني - النجاح - لا أذكر أين قرأت أو ممن سمعت أنه إذا إستعصى عليك حل مشكلة ما فيتوجب عليك أن تحاول إخراج نفسك منها والنظر إليها عن بعد ككرةٍ زجاجيةٍ تمسك بها أمامك مسافة مد اليد وتعمل على تحريكها لترى كافة جوانبها، فذلك يساعدك على تشخيص الخلل من وجهة نظرٍ محايدة ومن شأنهِ هديك للقرار السليم، وأنصح طلبتي كلما إقتضت الحاجة ذلك الاستعانة بهذه الآلية لحل مشاكلهم. الفكرة هي أن تدرب نفسك على التفكير بموضوعية مجردة عن ما تحب أو تكره كوسيلة لاتخاذ القرار العقلاني المدعم بالأسباب المنطقية، واذا أردت الحكم على أداء الآخرين فعليك أن تضع نفسك مكانهم فلعله لهم أسبابهم ومعطياتهم التي تجهلها، ولو كنت مكانهم لفعلت نفس الأمر، وفي ذلك قول السلف الصالح إذا بلغكَ عن أخيك شئٌ تكرهُه فالتمس له العذرَ جَهدّك، فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعلَّ لأخي عذرٌ لا أعلمه، وفي الانجليزية قيل "If you could just put yourself in his shoes for a moment, perhaps you would understand why it is not as easy as you seem to think”.

في الجامعة نسمع من طلبتنا الأعزاء عبارات كثيرة مفادها ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ويبدو من الطبيعي لغالبيتهم وأهليهم أن كل من يُسجل لمساق هو تحصيل حاصل في نهاية الفصل الدراسي من الناجحين بغض النظر عما قدم أو أخر من إنجازات خلاله، ولذا تُعتبر نهاية الفصل الدراسي فترةً عصيبةً على الطلبة والمدرسين على حدٍ سواء، ففيها الامتحانات النهائية والعلامات الختامية، ومن أجلها تُمارس الضغوطات ممن تعرف ولا تعرف لتنجيح فلان، أو دفش علتان، أو زيادة علامة علان، والأسباب كثيرة؛ ما بين زواج وضرورة سفر، أو قلة يد وضيق حال، وقائمةٌ من الأعذار طويلة، لها بداية وليس لها نهاية، ويبدو أن الشخص الوحيد الذي لا يمتلك عُذراً عن رسوب أي طالب هو مدرس المساق. ومن مفارقات الزمن أن يعمل معنا اليوم في الجامعة زملاءاً كانوا بالأمس القريب من طلبتنا، ونشاهد في ممارساتهم مع طلبتهم ما لم يكونوا هم يرغبوه فينا، كيف لا وقد إكتملت الصورة لديهم، فهاهم الآن يقفون خارج الكرة الزجاجية، يمسكونها بأيديهم يقلبونها كيفما يشاؤون، ويرونها من جميع جوانبها فتختلف رؤاهم للأمور، وتباعاً قراراتهم وسلوكياتهم.

ويشاء القدر أن نعمل في الشأن العام، وفي موقعٍ نتطلع فيه على حاجات وإحتياجات الناس، وهي كثيرة ومتنوعة وأحياناً متضاربة، وما بوسعنا إلا أن ندعو الله بالعون والتوفيق لمن هم في موقع المسؤولية، فكما يقول المثل "العين بصيرة واليد قصيرة"، و"إنها لأمانة وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها"، ولا نقول لهم شُكراً على واجب "فكلٌكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته". ولكن فليُأخذ بعين الإعتبار أن تحقيق الإنجازات على أرض الواقع لا يتأتى بين عشية وضحاها، حيث يعلم المُطلع حجم الوقت الذي يمكن أن يتطلبه تنفيذ بعض المشاريع؛ خاصة تلك المتعلقة بالبنى التحتية من شق أو إعادة تأهيل شوارع، وإنشاء أو صيانة شبكات مياه وكهرباء وصرف صحي وغيرها، فالفترة منذ إتخاذ القرار وحتى إنتهاء التنفيذ قد تستغرق بضع أشهر وأحياناً سنوات، وما قد يبدو للعامة تأخر في تلبية الحاجات أو المتطلبات يكون له غالباً من الأسباب غير المعلنة للعموم ما يبرره. برغم ذلك فما دُرج عليه الحال في ثقافتنا السائدة هو تحميل الغير مسؤولية ما نعانيه من قلة حال أو ضرر، وما يصيبنا من اخفاق أو فشل، وكُثرٌ يغالون في تنصيب أنفسهم قادةً ومنتقدين (إن لم نكن مُجرحين) للآخرين، لا لأدائهم، دون أن يُكلفوا أنفسهم عناء الفحص والتمحيص ليكون بإمكانهم الحكم بموضوعية وتجرد، حتى أمسينا من كثرة النقد والنقاد قادةً بحاجةٍ إلى شعبٍ يُقاد.

وأشير أيضاً إلى أمرٍ ذي صلة ويجهله كثيراً من العامة، ألا وهو إرادة المانحين، وكما يقال في العامية "إن لله في خلقه شؤون"، وله بالطبع جلّ وعلا المثل الأعلى، فنلمس أحياناً للجهات المانحة رؤاها الخاصة في مسارب مساعداتها المحتملة، ويجد المسؤول نفسه مضطراً إلى خوض غمار معركة تعديلٍ لهذه المسارات بما يتناسب مع سلم أولوياتنا الوطنية، فينجح حيناً ويُخفق حيناً آخر، وفي الحالة الأخيرة يكون له في قول الخليفة الأموي هارون الرشيد ما يُعزيه حينما يقول: "أيتها الغمامة أمطري حيثُ شئتِ فإنَّ خراجكِ عائدٌ إليّ"؛ ولسان حاله يقول: طالما أن هذه المساعدات تقع ضمن الأولويات وإن لم تكن على رأسها أو في مقدمتها، فأينما حلّت في فلسطين فخيرٌ من الله وبركة، ومع ذلك نجد ألسنةً وأقلاماً تنبري بما يلذ ويطيب بحق من هم في موقع المسؤولية.

هذه بالطبع ليست دعوة لترك الحبل على الغارب لمن هم في موقع القرار والمسؤولية، فالأمر بلا شك يتطلب المتابعة والمراقبة من قبل كافة الجهات الرقابية، الرسمية والمجتمعية، على أوجه صرف المال العام وأداء المسؤولين فيه، ولا مانع من المساءلة العادلة، إن لم نقل أنها متطلب وفق مفاهيم وممارسات الحوكمة الرشيدة، وحقٌ مشروع وليس مِنّة من أحد، وإنما رسالتي لكل من يحرص على متابعة سلامة ونزاهة الشأن العام، ويُنصب نفسه مدافعاً عن حماه، أن ينظر إليه ككرة زجاجية يدورها بين يديه ليقف على جميع جوانبه وحيثياته، ويُحسن الظنّ بالمسؤول، إلى أن يثبت العكس، يُعاونه ويُسانده في أداء رسالته وتنفيذ مهامه، وإن لزم الأمر يُقومه ويُصوبه وفق آليات المسائلة الديمقراطية المتاحة، لنكون بذلك جميعاً عناصر بناء لا هدم، ونعيش في مجتمعنا بسلامٍ وأمنٍ وكرامة.