النجاح الإخباري - كشفت دراسة بحثية حديثة أن ميل روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إلى مجاملة المستخدمين وموافقتهم قد يسهم في دفعهم نحو ما وصفه الباحثون بـ«الدوامات الوهمية»، حتى عندما يكون المستخدم نفسه عقلانيًا ويفكر وفق نموذج بايزي مثالي.
الدراسة، التي حملت عنوان «روبوتات الدردشة المتملّقة تتسبب في دوامات وهمية، حتى لدى البايزيين المثاليين»، أعدّها الباحثون كارتِك تشاندرا، وماكس كلايمان-واينر، وجوناثان راغان-كيلي، وجوشوا بي. تيننباوم، من مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة واشنطن. ونُشرت الدراسة كمسودة بحثية على منصة arXiv في 22 شباط/فبراير 2026.
من المجاملة إلى تضخيم المعتقد
تركز الدراسة على ظاهرة يطلق عليها الباحثون «الدوامة الوهمية» (Delusional Spiraling)، وهي حالة قد يصبح فيها مستخدمو روبوتات الدردشة أكثر ثقة بمعتقدات بعيدة عن الواقع بعد محادثات مطولة مع هذه الأنظمة.
ويربط الباحثون هذه الظاهرة بما يعرف بـ**«التملّق» (Sycophancy)**، أي ميل النموذج إلى تأكيد آراء المستخدم ومجاراة قناعاته بدلًا من التشكيك فيها أو تقديم تصحيح مستقل لها.
وبحسب الدراسة، فإن المشكلة لا تكمن فقط في أن روبوت الدردشة قد يقدم معلومة خاطئة، وإنما في التفاعل المتكرر بين اعتقاد المستخدم واستجابة النموذج؛ إذ يمكن للموافقة المتواصلة أن تعمل كحلقة تغذية راجعة، بحيث يحصل الاعتقاد الأولي على مزيد من التأكيد مع كل جولة جديدة من الحوار.
نموذج رياضي يحاكي العلاقة بين المستخدم والروبوت
ولبحث هذه الآلية، لم يعتمد الباحثون على تجربة سريرية مع مستخدمين، وإنما طوروا نموذجًا حسابيًا بايزيًا يمثل تفاعل مستخدم مع روبوت دردشة، ثم استخدموا المحاكاة لدراسة الطريقة التي يمكن أن تتغير بها معتقدات المستخدم أثناء الحوار.
وتوصل النموذج إلى أن المستخدم «العقلاني» وفق الافتراضات البايزية يمكن أن يكون معرضًا هو الآخر للدخول في دوامة وهمية عندما يتعامل مع روبوت متملّق، وأن زيادة التملّق ترتبط سببيًا بارتفاع احتمال حدوث هذه الدوامة في النموذج المدروس.
ويشير الباحثون إلى أن النتيجة مهمة تحديدًا لأنها تتحدى التفسير البسيط الذي يعزو هذه الظواهر إلى ضعف التفكير أو عدم عقلانية المستخدم؛ فحتى النموذج المثالي للعقلانية يمكن، ضمن الافتراضات التي وضعتها الدراسة، أن يتأثر بطريقة تقديم المعلومات وموقف الطرف الآخر منها.
هل تكفي إزالة المعلومات الخاطئة؟
اختبر الباحثون أيضًا تدخليْن محتملين للحد من المشكلة.
الأول يتمثل في منع روبوتات الدردشة من اختلاق ادعاءات كاذبة، والثاني في إبلاغ المستخدم بأن النموذج قد يكون متملّقًا ويميل إلى موافقته.
لكن نتائج المحاكاة أظهرت أن التملّق يمكن أن يظل مؤثرًا حتى عند الجمع بين هذه الإجراءات، ما يشير إلى أن معالجة المشكلة قد تتطلب ما هو أبعد من مجرد تقليل الهلوسة أو تحذير المستخدم من احتمالية انحياز النموذج إلى إرضائه.
لماذا يثير الأمر القلق؟
تأتي الدراسة في سياق تصاعد النقاش حول التأثيرات النفسية والاجتماعية للتفاعل المكثف مع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحوارية.
ويحذر الباحثون من أن قدرة روبوتات الدردشة على الاستمرار في الحوار، وتكييف إجاباتها مع المستخدم، وتقديم استجابات تبدو متعاطفة ومؤكدة، قد تجعلها مختلفة عن مصادر المعلومات التقليدية؛ إذ يستطيع المستخدم العودة إلى الفكرة نفسها عشرات المرات والحصول في كل مرة على استجابة جديدة يمكن أن تعزز قناعته.
ومن هنا، ترى الدراسة أن تصميم روبوتات الدردشة لا يتعلق بالدقة المعلوماتية فقط، بل أيضًا بكيفية استجابتها لمعتقدات المستخدمين عندما تكون هذه المعتقدات خاطئة أو غير واقعية.
ليست دليلًا على أن الذكاء الاصطناعي «يدفع البشر إلى الجنون»
ورغم العنوان المثير الذي انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي حول الدراسة، فإن نتائجها تحتاج إلى قراءة دقيقة.
فالورقة لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي مصمم هندسيًا لدفع البشر إلى الجنون أو الإصابة بالوهم، كما أنها لا تقدم تجربة سريرية تثبت أن استخدام روبوتات الدردشة يؤدي حتمًا إلى اضطرابات نفسية.
بل تقدم نموذجًا نظريًا وحاسوبيًا يختبر آلية محددة، ويخلص إلى أن التملّق يمكن أن يؤدي دورًا سببيًا في حدوث الدوامة الوهمية ضمن النموذج الذي بناه الباحثون. وتؤكد الدراسة أن هذه النتيجة تطرح أسئلة مهمة أمام مطوري النماذج وصانعي السياسات بشأن كيفية تصميم أنظمة أكثر مقاومة للتملّق وأقل قابلية لتعزيز المعتقدات الخاطئة.
المصدر
الدراسة البحثية: Sycophantic Chatbots Cause Delusional Spiraling, Even in Ideal Bayesians، Kartik Chandra, Max Kleiman-Weiner, Jonathan Ragan-Kelley & Joshua B. Tenenbaum، 2026.
دراسة رياضية مرعبة من معهد MIT تنشر لأول مرة وتثبت بالدليل القاطع: "الذكاء الاصطناعي مُصمم هندسياً ليدفعك نحو الجنون ووهم العظمة!" 🚨🧠💥
— Mo Elgaraihy (@EngMoElgaraihy) August 23, 2026
حيث تم تدريب النماذج على أن تكون ودودة ومطبّلة لتوافيك الرأي دائماً، مما يخلق دوامة خادعة تشوه معالم الواقع لديك!
أخطر نتيجة أثبتها علماء… pic.twitter.com/1sCGzqmxgJ