النجاح الإخباري -  د.ياسر أبوبكر
وأنا أقرأ مقال د. حسن بشارات المعنون «التحولات السلوكية لدى الأفراد بعد تولّي المناصب الإدارية»، تزامن ذلك مع حديث دار بيني وبين صديق مساء أمس. قال لي ببساطة لافتة: "بمجرد أن يجلس الشخص على الكرسي، يتغيّر ... كأنك لا تعرفه." هذه العبارة الشعبية تختصر سؤالًا عميقًا: هل المنصب يصنع إنسانًا جديدًا؟ أم أنه يكشف ما كان مستترًا فيه منذ البداية؟ ومن هنا جاء هذا الاجتهاد: محاولة فهم العلاقة بين التنشئة، والتعليم، والقيادة، في ضوء فكرة أعمق من مجرد "الجلوس على الكرسي".
التحليل النفسي والاجتماعي يقودنا إلى نتيجة واضحة: السلطة لا تخلق الشخصية، بل تضخّمها. الكرسي يعمل كعدسة مكبّرة؛ ما كان صغيرًا في الداخل يصبح ظاهرًا في السلوك. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا يفعل المنصب بالإنسان، بل ماذا فعلت به أسرته ومدرسته وتجارب تعلمه قبل أن يصل إليه.
من البيت يبدأ شكل القائد
الأسرة هي المدرسة الأولى للسلطة. الطفل الذي نشأ في بيئة تحترم رأيه وتضبطه دون إهانة، يتعلم أن القيادة تعني التوجيه لا القهر. أما من تربّى على الخوف أو الإقصاء، فقد يرى في المنصب فرصة لتعويض هشاشة داخلية. ما نطلق عليه ثقافيًا "الأصل الطيب" ليس مجرد مدح اجتماعي، بل توصيف لمنظومة قيم: ضبط النفس، احترام الناس، الشعور بالمسؤولية، والقدرة على العدل.
هذه القيم لا تتكوّن فجأة عند صدور قرار تعيين. إنها تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية: كيف كان الأب يتعامل مع خلاف، كيف كانت الأم تضبط الغضب، كيف كان البيت يدير الحوار. من تعلّم في طفولته معنى العدل، لن يحتاج إلى تذكير أخلاقي عندما يُمنح سلطة.
أما المدرسة فهي ليست فقط مكانًا لتلقي المعلومات، بل مختبرًا يوميًا لإدارة السلوك. هناك يتعلم الطالب احترام النظام، قبول النقد، العمل ضمن فريق، وتحمل نتيجة قراراته. غير أن المدرسة التي تختزل التعليم في الامتحان، وتُهمل التربية القيمية، قد تُخرّج أفرادًا متفوقين معرفيًا لكنهم هشّون سلوكيًا.
التعليم الحقيقي هو بناء القدرة على التنظيم الذاتي: ضبط الانفعال، إدارة القلق، الفصل بين الرأي والشخص، وتحمل المسؤولية. وهذه المهارات هي جوهر القيادة قبل أن تكون أدواتها.

في هذا السياق يكتسب الحديث النبوي الشريف «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» معنى قياديًا عميقًا. الرسالة هنا لا تربط المسؤولية بالمنصب الرسمي فقط، بل تجعل كل إنسان في موقع رعاية أينما كان: في البيت، في المدرسة، في العمل، في المجتمع. بمعنى آخر، الإنسان يتقلد منصبًا أخلاقيًا قبل أن يتقلد منصبًا إداريًا.
الراعي ليس متسلطًا، بل مؤتمنًا. والرعاية ليست سيطرة، بل حفظ وصيانة وعدل. هذا المفهوم يقلب فهم السلطة رأسًا على عقب: المنصب ليس امتيازًا، بل أمانة. والقيادة ليست تفوقًا، بل مسؤولية مضاعفة.
عندما نقرأ هذا الحديث في ضوء علم القيادة المعاصر، نجد أنه يختصر مفهوم "القيادة الخادمة" و"القيادة الأخلاقية". فالقائد الحقيقي هو من يرى نفسه مسؤولًا عن نمو من يقودهم، لا عن إخضاعهم. ومن يفهم الرعاية بوصفها مسؤولية يومية، لن يتغير سلوكه فجأة عند الجلوس على الكرسي، لأنه كان يمارس القيادة في كل موقع سابق.

التغير الذي يلاحظه الناس غالبًا ليس تحولًا جوهريًا، بل انكشافًا. من كانت مسؤوليته الأخلاقية ضعيفة قبل المنصب، ستنكشف تحت الضغط. ومن لم يتعلم إدارة ذاته، سيستخدم السلطة لإدارة قلقه. أما من تشكّلت شخصيته على معنى الرعاية والعدل، فسيظل متوازنًا لأن المنصب امتداد لقيمه لا بديلًا عنها.
هنا يتضح جوهر الفكرة: القيادة تبدأ من إدارة الذات. من لا يستطيع ضبط غضبه، أو قبول النقد، أو مراجعة خطئه، لن ينجح في رعاية الآخرين مهما كان موقعه. إدارة الآخرين دون إدارة النفس وصفة لخلل تنظيمي وأخلاقي.

إذا أردنا مؤسسات صحية، فعلينا أن نعيد النظر في معايير اختيار القيادات. الكفاءة الفنية مهمة، لكنها غير كافية. الأهم هو النضج النفسي، والوعي الأخلاقي، والقدرة على تحمّل الأمانة. لأن المنصب لا يصنع القائد، بل يختبره.
والخلاصة الصريحة:
الإنسان مسؤول في كل موقع، لا فقط حين يُمنح لقبًا.
وكل من يرى نفسه راعيًا قبل أن يكون مديرًا، لن يتغير عند الجلوس على الكرسي، لأنه أدرك مبكرًا أن القيادة ليست موقعًا، بل سلوكًا دائمًا.
فالكرسي قد يرفع الإنسان إداريًا، لكنه لا يرفعه أخلاقيًا. الذي يرفعه حقًا هو ما تعلّمه في بيته، وما صقلته مدرسته، وما وعاه من معنى المسؤولية والرعاية.