نابلس - النجاح الإخباري - ياسر أبو بكر _ تشهد جامعة النجاح الوطنية اليوم تجربة فريدة في المشهد الأكاديمي العربي، إذ استطاع مركز الإعلام فيها أن يتحول من وحدة تقليدية إلى نموذج مؤسسي ذكي متكامل يجمع بين التقنية والمعرفة والإنسان في معادلة دقيقة. ففي وقتٍ ما تزال فيه مؤسسات كثيرة تكتفي بشعارات التحول الرقمي دون ترجمتها إلى واقع، مضى مركز الإعلام بقيادة الأستاذ غازي مرتجى بخطوات واثقة نحو بناء بيئة إعلامية ذكية تعيد تعريف مفهوم العمل الجامعي والإعلامي في آنٍ واحد.
لقد تمكّن المركز خلال العامين الماضيين من إتمام رقمنة شاملة لعملياته الإدارية والإنتاجية، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في التحرير، وإنتاج الفيديو والصوت، وإدارة الحملات الرقمية، ليصبح أول مركز إعلامي ذكي في فلسطين والمنطقة. هذا الإنجاز لا يعبّر عن تطوير تقني فحسب، بل عن إرادة مؤسسية واعية تُدرك أن المستقبل لن يكون لمن يملك الأدوات فحسب، بل لمن يحسن توجيهها نحو خدمة الفكرة والإنسان. فالذكاء الاصطناعي لا يكتمل إلا حين يُسخَّر لخدمة الذكاء الإنساني، فالآلة بلا قيم تتحول إلى عبء، أما حين تتنفس من روح الجامعة ورسالتها، فإنها تصبح امتدادًا للعقل الفلسطيني المبدع.
وفي قلب هذا التحول يبرز مشروع “توليد عقول الخبراء”، الذي يعد خطوة استثنائية في المشهد الأكاديمي العربي. إذ يعمل المركز على تدريب نماذج توليدية على بيانات ومعارف الأكاديميين في الجامعة، لإنتاج “أفاتارات رقمية” تحمل أصواتهم وصورهم وأساليبهم، فتتحول الخبرة البشرية إلى ذاكرة رقمية طويلة الأمد. إنها قفزة فكرية تجعل من المعرفة الفلسطينية موردًا تفاعليًا مفتوحًا للأجيال القادمة، وتؤسس لمفهوم جديد لاستدامة الخبرة والتعليم.
وما يزيد التجربة عمقًا هو بعدها الوطني والرمزي. فأن تنجز جامعة فلسطينية هذا التحول وسط واقع الاحتلال والحصار المعرفي هو إعلان هادئ بأن الوعي لا يُحاصَر، وأن الإبداع يمكن أن يولد حتى في أضيق الظروف. فالتحول الرقمي هنا ليس رفاهية تقنية، بل فعل مقاومة معرفية يثبت أن الكلمة الفلسطينية قادرة على أن تواكب العالم وتنافسه بأدواته ذاتها.
أما على مستوى التعليم، فقد ساهم المركز في تطوير مناهج أكاديمية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي، معتمدًا مقاربة تدمج بين التعليم والإنتاج المعرفي الذكي، في انسجام تام مع رؤية الجامعة للتحول إلى مؤسسة مبتكرة تقود الإعلام العربي نحو المستقبل. كما أطلق المركز مشروعًا رائدًا لحفظ الذاكرة الجمعية لجامعة النجاح الوطنية، يوثّق مسيرتها التي تمتد لأكثر من قرن، ليحولها إلى سجلّ رقمي تفاعلي يصون إرثها العلمي والوطني للأجيال.
وربما كان أكثر ما يجسد روح الابتكار في هذه التجربة ظهور “آدم”، أول موظف ذكي في جامعة عربية، تم تطويره وتدريبه داخل مركز الإعلام، ثم اعتماده رسميًا ضمن كادر الجامعة. يجسّد “آدم” فكرة التكامل بين الإنسان والآلة، لا التنافس بينهما، في نموذج يعكس الوعي بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكًا في العمل والإبداع لا بديلًا عن الإنسان.
ومع أن كل تجربة ريادية تحمل في طيّاتها تحديات التنفيذ والتمكين، فإن ما حققه مركز الإعلام في جامعة النجاح يؤكد أن الرؤية الواضحة والقيادة المؤمنة بالمستقبل قادرتان على تحويل الجامعة من متلقٍ للتطورات إلى صانعٍ لها. غير أن هذه الثورة الرقمية تحتاج أيضًا إلى ثورة ثقافية داخل المؤسسات، تُعيد صياغة طريقة التفكير والإدارة، لأن التقنية وحدها لا تصنع التغيير ما لم تُرافقها عقول تملك الشغف والمعنى.
إن ما يحدث في جامعة النجاح الوطنية ليس مجرد تحديث تقني، بل نهضة فكرية تضع فلسطين على خريطة الابتكار العربي في مجال الذكاء المؤسسي. وإذا ما استمر هذا المسار التصاعدي، فستتحول الجامعة إلى مرجعية عربية في الإعلام الذكي، وإلى مختبر مفتوح لتجربة العلاقة الجديدة بين الإنسان والمعرفة والآلة، حيث تتحول الفكرة الفلسطينية من الصمود إلى الريادة.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نوجّه تحية تقدير لجامعة النجاح الوطنية وكادرها المتميز وعلى رأس ذلك الصرح تحية للاستاذ الدكتور رامي الحمدلله الذي يواصل بعقله المتجدد وفكره الإداري الرصين رفد الجامعة بمشروعات تنهض بها نحو المستقبل، وتؤكد أن "النجاح" ليست مجرد اسم، بل هي فعلٌ مستمر وصورة حية للعقل الفلسطيني حين يؤمن بنفسه وبقدراته، وحين يكتب من نابلس قصة جامعةٍ تصنع من الضوء فكرًا، ومن الفكرة نهضةً، ومن النهضة وطنًا يبدع ليبقى.