نور السويركي - النجاح - كما العادة، بدأت الأصوات المنددة بحادثة طفلة رفح بالأفول تدريجياً، وهبة السوشال ميديا استهلكت مساحتها في ردة الفعل واستكانت، بينما لا زال العشرات وربما المئات من الأطفال ضحايا العنف الأسري مقيدون مع معنفيهم من أفراد الأسرة، لا تُسمع أصواتهم إلا إذا طفت بعض حوادثهم البشعة على السطح، بينما يعود المجتمع لادعاء فرضية الأمان في ظل الأسرة في حين تنقضها أحداث عدة حتى وإن كانت متفرقة ومحدودة وهذا ما يستوجب العمل.

إن حادثة طفلة رفح ومن قبلها حوادث كثيرة لأطفال طالهم العنف داخل الأسرة، بعضهم أودى بحياتهم أو أصابهم بعاهات مستديمة جسدية أو نفسية، وبعضهم لا زال يعاني دون الوصول للمساعدة بينما نقرأ هذا النص، فالمطلع بالقدر اليسير على الحالات الوافدة إلى مؤسسات الحماية الحكومية والأهلية يعلم يقينا أن ما نواجهه يتجاوز حدود حادثة اغتصاب طفلة رفح، وأن هذه الحالات تتم معالجتها بشكل منفرد لتحقيق العدالة، فيرضى الجمهور دون أن يضعها في سياقها الحقيقي الجمعي وهو سياق الحماية القانونية والردع والمحاسبة.

المؤسف المتكرر في حوادث العنف الأسري سواء طالت أطفالاً أم بالغين، هو نهج ردات الفعل الذي يتبعه المجتمع، يلقون اللوم على المسؤولين وأولهم مؤسسات المجتمع المدني وكأن بيدها العصا السحرية للحل،  إلا أنهم عند أول اختبار حقيقي يطالبهم فيه المجتمع المدني بمكوناته المؤسساتية بضرورة المناصرة لإقرار قانون حماية الأسرة وتوجيهات النداءات لحشدهم باتجاه تحقيق هذه المصلحة العامة فإنهم ينسحبون بهدوء مخجل،  وكأن هذا المشهد لا يعنيهم وليسوا طرفاً فيه، فهم حتى اللحظة بخير، ولم يصبهم أو يصب أي من أفراد أسرهم مكروه يستدعي أهمية وجود القانون.

هذه الحالة من الإنكار لأهمية إقرار القانون هي التعبير الأبلغ عن حالة الانفصام التي يعانيها المجتمع بكافة أفراده متواضعي ومتوسطي الثقافة والمعرفة، ومتعالي الادعاء بالنخبوية، وإن ما تعرض له قانون حماية الأسرة من العنف في العام الماضي من احتجاجات وتحريض ضده بمزاعم ليس لها أصل ولا فرع، وما رافقه من صمت مخيب للآمال ومهين للكرامة الإنسانية من قبل السلطة الفلسطينية التي كفل دستورها صون هذه الكرامة لهو أشد دليلاً على ذكورية هذا النظام وانسياقه المؤلم مع السياق المجتمعي العام غير الواعي، ومراعاة رضا السياق كأولوية تسبق أولوية حماية الضحايا وحقوقهم.

الأشد خطراً هنا ليس تساوق أصحاب القرار مع السياق المجتمعي المنكر لأهمية هذه الحماية، بل كذلك امتداد هذا النكران على امتداد سنوات سابقة وربما لاحقة، ولعل أسوأ هذه السنوات هي سنوات الانقسام الفلسطيني، مسودات من القوانين سبقت الانقسام ومسودات جاءت في ظله جميعها حبيسة الأدراج تنتظر يوماً من التحقق والعدالة للضحايا حين يتم تداولها وإقرارها في أحد صروح الدولة المدنية المأمولة بعد استعادة السلطة التشريعية لوظيفتها و استعادة النظام الفلسطيني لنفسه ورشده، وإلى ذلك الحين سيبقى التعامل مع حالات العنف وتحديداً الأسري كل حالة على انفراد، بما يمكن استجلابه لها من الحقوق، وفق ما توفر من نصوص قانونية ومزاج جهات إنفاذ القانون والقضاة، إن النص القانوني الذي يؤصل  لعقوبة مرتكب جرم الاعتداءالجنسي من أحد أفراد الأسرة في قطاع غزة، هو قانون العقوبات من عهد الانتداب البريطاني للعام ١٩٣٦، حيث يُعطى الجاني عقوبة مخففة عن الفاعل خارجها، فهلا تعقلون ؟!