عبد المجيد سويلم - النجاح - ها هي الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس قد جرت وانتهت بسلام ووئام وسلاسة، ودون أي مشكلات تذكر. وهذا هو عنوان النجاح الأول.
وها هو الرئيس الجديد قد نجح دون تهديدات بحرق العاصمة، ودون مليشيات مسلحة، ودون حتى ان يكون للرئيس الجديد مؤسسة سياسية مباشرة للعمل معه، أو لمساندة توجهاته في الانتخابات الأولى، واضطرت «النهضة» لدعم الرئيس في انتخابات الإعادة فقط، وهو ما يعني أن دعمه ومساندته كانت من قبيل التفضيل وليس من قبيل التمثيل. وهذا أيضاً عنوان نجاح جديد وعلى أعلى درجات الأهمية.
وها هي التشكيلة الحزبية التي تمخضت عنها الانتخابات التشريعية في تونس تبدو وكأنها لوحة فسيفسائية لكل انواع الطيف السياسي والاجتماعي، دون اكتساحات ولا اجتياحات، ودون أن تتمكن قوة او اخرى من ان تفرض هيمنتها وسطوتها على المشهد.
سيحتاج الرئيس الجديد إلى «معجزة» سياسية لكي تستقر في البلاد حكومة قوية ومتماسكة، وقد تصل الأمور الى إعادة الانتخابات التشريعية، وهو ما سيعكس ـ إن حصل ـ مدى ما وصلت اليه المؤسسات السياسية في البلاد التونسية من تراجع في اجنحتها التقليدية، وما وصلت اليه الأمور من بزوغ حالة سياسية واجتماعية متنامية لقوى جديدة لم تتبلور بعد، ولم «تنضج» إلى درجة كافية.
وهذا الدرس، اي درس تراجع القوى التقليدية ليس سوى بداية مؤشر على أن الشارع العربي بدأ بالفعل مساراً جديداً نحو تجديد البنى السياسية والاجتماعية للمرحلة اللاحقة وهذا درس كبير أيضاً.
واذا ما رجعنا الى الواقع السياسي اليوم، سواءً في تونس او الجزائر، او حتى السودان، سنكتشف بسهولة ويسر ان قطاعات شابة واسعة بدأت بالانخراط الفعلي في المعترك السياسي والاجتماعي، وأصبحت اليوم هي القوى الحاسمة في توجيه دفة التطور، او هي في طريقها الى ان تكون.
لكن هذا الأمر بالذات يبدو ساطعاً في تونس، ويبدو أن تونس تدشن هذه الحقيقة، تماماً كما دشنت الكثير من الظواهر والمظاهر في حالة «الربيع العربي المغدور».
باختصار فإن الانتخابات التشريعية وكذلك الرئاسية في تونس تمثل في جوهر ما عكسته، وفي مضمون ما انطوت عليه وما أدت اليه الحالة العربية القادمة، وهي حالة العبور إلى الديمقراطية بالرغم من كل ما يقال. وما يمكن أن يقال عن مشكلات وخصوصيات هذه الديمقراطية.
أما الدرس الأكبر الذي اظهرته التجربة الديمقراطية في تونس فهو درس موقع ودور «الإسلام السياسي» في «العملية» الديمقراطية الآخذة بالتبلور والرسوّ وربما الرسوخ أيضاً. فقد تمكن المجتمع المدني في تونس وبمثابرة عز مثيلها في البلدان العربية الأخرى حتى الآن من كبح جماح «الإسلام السياسي». وفرض عليه، وأحدث فيه تبدلات وتغييرات كادت تصل بهذا «الإسلام السياسي» الى «الطلاق» مع التطرف والعنف، وأجبرته على عمليات متلاحقة من «التأقلم» التي طالت حتى الآن بعض الأوجه المظهرية، لكنها مرشحة لأن تحدث فيه ما هو أعمق من ذلك لاحقاً.
لقد فرضت قوى المجتمع المدني التونسي على «الإسلام السياسي» كتيار سياسي واجتماعي عريض ليس فقط ضرورة الإقرار بدور الدولة الوطنية وحتمية الصدام مع المجتمع ان «حاول» «الإسلام السياسي» العبث بها، او التحايل على دورها، او إخضاعها للاعتبارات الخاصة بأيديولوجية الإقصاء التي يتميز بها «الإسلام السياسي» في عموم المنطقة العربية.
وكل ما أفرزته تجربة «الربيع العربي المغدور» حتى يومنا هذا يكاد يتمحور حول هذه المسألة بالذات.
فحيث كان «الإسلام السياسي» العربي قوياً، كان إقصائياً، وحيث كان متمكناً من القدرة على تدمير مؤسسة الدولة لم يتردد لحظة واحدة، وحيث اتيحت له فرصة ركوب موجة «الربيع العربي» بهدف الإطاحة بدورها وإعادة تشكيلها وفق منطوق ايديولوجيته الخاصة لم يتوان مطلقاً.
لقد تمكن التيار المتطرف من «الإسلام السياسي» من العبث المدمر في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية في بعض البلدان العربية، وتشارك مع الجناح التقليدي لـ «الإسلام السياسي» والذي تمثل في «الإخوان» في تدمير او محاولة تدمير مؤسسة الدولة الوطنية، مستفيداً من حالة الاحتقان السياسي الذي ولدته عقود طويلة من الفساد والاستبداد لانظمة الحكم العربية في تلك البلدان.
وجد المواطن العربي بعد واثناء موجات «الربيع العربي» أمام خيارين لا ثالث لهما آنذاك:
إما استمرار انظمة الفساد والاستبداد بسرقة الدولة والسطو عليها او تدميرها وتدمير بنية المجتمع على يد «الإسلام السياسي» بجناحيه المتطرف [الجهادي] والتقليدي [الإخوان المسلمين].
ولهذا بالذات دخلت تلك المجتمعات في حروب داخلية مدمّرة، وانقسم المجتمع او كاد ينقسم نحو الوجهة العبثية.
في مصر قام الجيش بوقف هذه المهزلة، لكنه كبح جماح المجتمع المدني، لمواجهة الإرهاب، وهو ما زال عند هذه النقطة من تطور الأحداث بالرغم من نجاحه في إنقاذ البلاد.
وفي ليبيا لم تحسم الأمور، وفي اليمن تداخلت العوامل الداخلية بالخارجية وخرجت عن كامل المشهد الأصلي، وفي سورية ما زال الأمر بيد المعادلة الدولية والإقليمية.
أما في تونس فقد فرض على الجميع الانضباط الى اللعبة الديمقراطية في ظل الحفاظ على الدولة والعمل على تطويرها.
العبث مصدره الفساد والاستبداد، والتدمير مصدره «الإسلام السياسي»، ومعادلة الصراع الحقيقية بين هذين الرأسين هي التي أفضت إلى دخول المنطقة في متاهات الحروب الداخلية، والحروب التي جلبت الويل مع التدخلات الخارجية.
 فقط المجتمع المدني هو القادر على حماية الموجات الجديدة، والمتجددة من الربيع العربي الحقيقي والذي ما زال في بداية مرحلة التغيير ولم يبلغ مرحلة القطاف الأول، الا في تونس وقريباً في السودان والجزائر.
لكن تجربة تونس في ديمقراطيتها الوليدة هي درس الدروس وهي بروفة الديمقراطية العربية القادمة.

الايام