عبد الغني سلامة - النجاح - لاقت المأساة الإنسانية التي أصابت الشيخ حسن يوسف تعاطفا مجتمعيا كبيرا، بيد أنها أثارت قلق ومخاوف الأهالي بشكل خاص.
لا أود الخوض هنا في تفاصيل القصة؛ بقدر ما أرغب بتسليط الضوء على مسألة تربية الأبناء، والمخاطر التي تحيط بهم، خاصة من هم في عمر المراهقة.. ومع بروز ظواهر جديدة، لم تكن معروفة سابقا، أكثرها لها علاقة بعالم التكنولوجيا والاتصالات. 
عادةً، كلُّ جيلٍ يبدي قلقه على القيم التي كانت سائدة في أيامه، ويعبّر عن تخوفاته من التراجع عنها، كما لو أن الأسرة والمجتمع يتهاويان، ومعهما تتراجع الأخلاق! لذلك، ترى الكثير من الأهالي يتشددون في الرقابة على أطفالهم، من منطلق الحرص عليهم. 
وفي حقيقة الأمر، هذا النوع من الأُسر يسمى "الأسرة البطريركية"، حيث يُخضع الأبُ أبناءه لمفاهيمه، تماما كما يُخضع الزعيمُ رعيته.. في هذه الأسرة لا وجود للحرية، أو الحق في الاختلاف، أو التنوع.. الكل هنا جزءٌ من قبيلة، من طائفة، من نظام يدور حول نفسه بلا أي فرصة للتقدم.
المعضلة الثانية تتعلق بالأسرة الكبيرة (الممتدة)، ذلك لأنها ستجد صعوبة في إيلاء الرعاية والاهتمام بكل فرد منها، وهذا أيضا يتكرر في الأسرة الصغيرة التي ينشغل فيها الآباء والأمهات عن رعاية أبنائهما، إذ بسبب تعقد الحياة الاجتماعية، والانشغال في العمل، لن يستطيع الوالدان أن يمنحا كل ابن حقه الكامل من الحب والحنان، ولن يجدا الوقت لمتابعة كل فرد على حدة، وقد يصعب عليهم توفير الإمكانات المادية، فالإنسان له طاقة محدودة من العطاء سرعان ما تُستنـزف في خضم معترك الحياة، وهذا بدوره سيُنتج أبناء غير مكتفين عاطفيا، وغير مشبعين بالحنان، فيصبحون ذوي نزعة عدوانية تخريبية، وقد يتوفر لهم المناخ الملائم للانحراف. 
فالطفل حتى تكتمل شخصيته، وينضج عاطفيا وعقليا، يحتاج إلى أن يتشبع بالحب والعطف في كنف والديه، ويعيش في بيت مفعم بالحنان والتفاهم والأمان.
ولكن الأب في المجتمعات الشرقية توارث مفهوما خاطئا مفاده أن المجتمع قد منحه الحق في استلاب شخصية زوجته وأولاده، وأن الأسرة هي مُلك شخصي له، هذه النـزعة الأبوية تؤسس حوارا مغلقا بين الأب والأبناء، يملي فيه الأب تعليماته، ويلقي مواعظه دون أن يناقش أبناءه أو يسمع منهم، منطلقا من قناعاته الذاتية التي تربى عليها، ونسي أن لأبنائه شخصيات اعتبارية مختلفة.
هذا الحوار المغلق غير المتكافئ سيولد لدى الأبناء ازدواجية الشخصية، فما أن ينهي الأب إلقاء مواعظه، حتى يبدأ الأبناء بممارسة عكسها تماما، وذلك بمجرد غيابه.. فلكل جيل نزعاته وظروفه المختلفة عن الجيل السابق، لكن الآباء يريدونه امتداداً لهم ونسخة عنهم، وهذا يتعارض مع منطق الطبيعة.
وأخطر ما في الموضوع، أن يصل الأب إلى العقاب البدني، أو أن يسْخر من عواطف ابنه، ويحقّر طموحاته ويستهزئ بأفكاره، وهذا يدفعه إلى الانطواء والخجل، فتنمو عنده العقد والاضطرابات النفسية.
وعقلية الأب البطريركية ستجعل منه متسلطا، يتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البيت، وهو بذلك يعمل على سلب أبنائه شخصياتهم واحتلال عقولهم، وطبعا بدافع الحرص، ولكن بطريقة مبالَغ فيها، ستؤدي إلى خلل في شخصية الأبناء، فيتعودون على الطاعة، وتصبح نهجا في حياتهم، حتى تصبح صورة الأب ماثلة أمام عيونهم، وتتقمص في شخص كل مسؤول أو مدير أو صاحب عمل. 
وهذه الوصاية تقتل الطموح والتمرد في روح الأبناء، وتخلق فيهم نزعة التواكل والعجز، فيلجؤون إلى الغير في حالة مواجهة أية مشكلة، ويفقدون ثقتهم بأنفسهم واعتمادهم على الذات.
يقول "هشام شرابي" في كتابه "مقدمات في دراسة المجتمع العربي": "لا شك في أن ما نعتبره في الطفل من ذكاء حاد وفطنة متميزة، كثيرا ما تكون صفات حقيقية في الطفل، لكنه سرعان ما يفقدها ويغدو كغيره من أقرانه، وسبب ذلك نمط التربية التي نفرضها عليه، والتي تقتل ذكاءه، وتقضي على قدراته الفطرية، وتطفئ جذوة نشاطه، وتكبح جموحه وتجعله فريسة للإحباط، لأننا نريده مؤدبا مطيعا نظيفا، لا يخرب ولا يصرخ، ولا يلعب.. ليحافظ على نظافته وهدوء المنـزل وراحة الوالدين. وأن يكون سلوكه مطابقا لنمط متشدد، في طريقة اللبس، وآداب المائدة، وفي مسلكه تجاه الكبار، وفرض تعاليم الدين وطقوسه، وهذا كله يضعف روح الاقتحام لدى الطفل، وينمي بدلا منها روح الخضوع.
بعد الضرب والتخجيل والتلقين وتقييد الحركة، يدخل الطفل المدرسة وهو مستعد نفسيا لتقبل الأفكار والأساليب الاجتماعية السائدة، فينسى أحلامه وتتبعثر قدراته، ويلجم تمرده، ويرضخ لإرادة الجيل القديم، التي تجدد نفسها وتفرض سلطتها من خلال العائلة والمجتمع.
وهذه عملية تطبيع اجتماعي من المهد إلى اللحد، واستمرار لعملية الاستعباد التي يفرضها الجيل القديم على الجيل الجديد. 
وبتعبير آخر، إننا نحرم أولادنا من مواهبهم ونسجن خيالاتهم، ونصادر خصوصيتهم، لأننا نسعى إلى أن نجعلهم على شاكلتنا ومثالنا، كما فعل آباؤنا فجعلونا نسخة عنهم.
إضافة لما سبق، يواجه الأطفال مخاطر عديدة من نوع آخر، يمكن إيجازها بما يحيط بهم من ظروف مختلفة، مثل أقران السوء، ظاهرة التنمر في المدارس، العنف اللفظي في البيت والمدرسة، إغفال الأهالي عنهم، ألعاب الكمبيوتر والهواتف الذكية، وعوالم الإنترنت الرهيبة والسرية، والتي نجهل عنها الكثير.
أطفالنا هم آخر السهام في جعبتنا.. لننتبه لهم، لنحاورهم، لنشجّعهم، لنلعب معهم، لنغمرهم بالحب، لنترك لهم مساحة من الحرية، لنعزز ثقتهم بأنفسهم.. لنضحك في وجوههم.. سيتفاجأ الكثيرون مما سيكتشفونه في أطفالهم إذا ما حاوروهم بصراحة، ودون خوف، ولا وصاية أبوية.. سيتفاجؤون بذكائهم، وبمواهبهم، وما يدور في خواطرهم. 
إذا تركناهم، سنجدهم فجأة وقد صاروا شبابا، لكنهم صاروا عبئا على المجتمع، يلتهمهم شبح البطالة والإحباط.. أو تستقطبهم مخابرات العدو، أو تخطفهم التيارات المتطرفة، لينفجروا في وجوهنا.. لاسيما وأن نسبة كبيرة منهم تشعر بالسخط، والتيه والفراغ، فاقدين ثقتهم بكل القيم، وحتى بالمستقبل.