عبد المجيد سويلم - النجاح - لم أعتد أن أكتب مواضيع مختلفة في مقال واحد. لكنني اليوم سأفعل لأنني لم أتمكن بيني وبين نفسي أن أرجح هاجساً على آخر.
قلت لزياد خداش على الغداء إنني قلق على ثلاث قضايا أو منها، فأشار عليّ أن أكتب عنها كلها.
الهاجس الأول، ضم الجولان إلى إسرائيل.
صحيح أنها سابقة بلطجة لا مثيل لها سوى هدية بريطانيا للحركة الصهيونية في وعد بلفور، وصحيح أننا بدأنا نعيش مرحلة جديدة عنوانها (القانون الدولي إلى الجحيم)، وصحيح أن في خلفية هذه البلطجة تقف مخاوف نتنياهو من السقوط في الانتخابات الإسرائيلية، ومخاوف ترامب من سقوط نتنياهو، و»خسارة» حليف مضمون وقوي مثل نتنياهو لإعادة انتخاب ترامب في الولايات المتحدة، أو لصد كل الهجمات التي يتعرض لها على خلفية عمليات الاستئصال التي يقوم بها لأسس ومرتكزات السياسات المتعاقبة لكل أو لمعظم الإدارات السابقة، إلاّ أن الصحيح أيضاً هو أن هذه البلطجة ما كان لها أن تكون وبهذه الاستعراضية الجوفاء لولا هوان العرب وتداعي النظام العربي، وتهاويه بالكامل.
لكن الهاجس ليس هنا.
الهاجس أخطر من كل ذلك.
إذا كانت الجولان وهي أرض عربية سورية، لا يرقى إلى عروبتها وسوريتها أية شكوك من أي نوع كان، وإذا كانت دولة هامة وكبيرة هي صاحبة هذه الأرض شرعياً وقانونياً في كل أعراف وتقاليد ومقررات القانون الدولي، وإذا كانت سورية حليفة بصورة خاصة لدولة مثل روسيا، وحليفة وثيقة لإيران ولحزب الله، وتتمتع بمزايا جيوسياسية واقتصادية وثقافية كبيرة، إذا كان كل ذلك لم يمنع الرئيس الأميركي من «إهداء» الجولان لصديقه نتنياهو، فهل سيتردد الرئيس ترامب وأعوانه من الجوقة التي وقفت على «منصّة الإهداء» في تقديم الضفة أو معظمها، أو مناطق واسعة منها لإسرائيل!؟
الهاجس الثاني، تألمت شديد الألم كغيري من مئات آلاف الفلسطينيين هنا وفي الداخل الفلسطيني، وربما في الشتات ايضاً، من محاولة الإساءة إلى البروفيسور سليم الحاج يحيى المشهود له بالكفاءة بل وندرة هذه الكفاءة، و»الاستغناء» عنه، وعن علمه ومهاراته ومهنيته العالية، بطريقة ليست مقبولة في عرف التعامل مع الكفاءات الوطنية. أنا شخصياً لا أعرف البروفيسور، ولم ألتقِ به مطلقاً، ولا أعرف سبب الخلاف، ولا أرغب بمعرفة مثل هذا السبب حتى وإن وجد فعلاً، ولكنني أشعر بالمهانة أننا لا نجيد لغة الاحترام والشكر والعرفان للذين آثروا أن يعملوا معنا، وفي صفوفنا في حين تتوفر لهم فرص أعلى وأكبر وأهم من الفرصة التي لدينا.
والله لو كان الأمر يتعلق بأمين مستودع لما قبلتُ الطريقة والأسلوب الذي تم بموجبه «الاستغناء» عن خدمات كفاءة على هذا القدر من المكانة والأهمية.
الهاجس الثالث، ملهاة غزة ومأساتها.
الحمد لله أولاً وقبل كل شيء أن «التصعيد» الأخير كان مجرد مناورة من حركة حماس ومن إسرائيل، كل من زاويته واحتياجاته وأزماته، وأن الأمور تحولت إلى نوع من الملهاة المكشوفة واللعبة التي لم تعد تنطلي على أحد.
نتنياهو يحتاج إلى أي شيء يحرك المياه الراكدة، وبعضها تحول إلى مياه آسنة، من الفساد إلى الفشل.
للمرة الأولى تشق قوى صهيونية طريقها إلى البديل، وللمرة الأولى يتحول نتنياهو من فائز مؤكد إلى مرشح للفوز بنفس قدر ترشحه للسقوط والفشل.
وللمرة الأولى تفرض المعركة الانتخابية نفسها على خطاب المنافسة، ويتحول نتنياهو من الرجل الساحر المبهر إلى الرجل المراوغ والكاذب الذي يحول «الأمن القومي» إلى سلعة انتخابية تنطوي على عناصر غريبة وعجيبة من المقامرة.
انتخابات ليس فيها محرمات، وليس فيها سوى سؤال واحد: العودة إلى رئاسة الحكومة وليأت الطوفان.
حركة حماس من واقع أزمتها وانسداد كل الآفاق أمامها، بعد حراك «بدنا نعيش»، وخروج الآلاف فشلت في «معركة» التصدي للحراك سياسياً، و»اضطرت» لأقسى أشكال القمع همجية، وكشفت نفسها وعزلت نفسها عن الشارع الغزي وربما كل الشارع الفلسطيني للحفاظ على سلطتها في القطاع.
حاولت أن تسوق على الناس نظرية «المؤامرة» ولكنها وجدت نفسها وقد بدأت بالتهاوي السياسي والأخلاقي أمام أناس جوعى وفقراء ومعدمين، مطلوب منهم أن يبقوا كذلك، وأسوأ، من أجل أن يظل حكم حماس قائماً بالقطاع، حتى ولو دفعوا آخر فلس من قوت أطفالهم.
هنا فهمت «حماس» أن «تحريك» الجو مع إسرائيل ربما يمكنها من الخروج من أزمة ما بعد قمع الحراك، وهنا أطلقت صواريخها «بالخطأ»، وهنا توسلت لكي لا تفهم إسرائيل رسالتها خطأ، وهنا التقط نتنياهو الرسالة، وحولها فوراً إلى رسالة جوابية فهمتها «حماس»، واتفق على حدود اللعبة، وعلى خطوطها الحمراء.
أقول الحمد لله ان نتنياهو ليس لديه الوقت لكي يغامر عسكرياً، وليس لديه شجاعة كافية لقلب الطاولة على رأس حماس، لأنه لو فعل لدفع شعبنا الفلسطيني كله وأهلنا في القطاع ثمناً يفوق القدرة على تصوره.
وكأن أهلنا هناك لا يكفيهم كل هذا الجوع، وكل هذا العوز، وكل هذا الحرمان، وكأنه لا يكفيهم ما أصابهم من بطش وقمع على أيدي حماس، لكي تأتي إسرائيل وتعيد حراثة غزة بطائراتها ومدفعيتها ودباباتها المرابطة على تخوم القطاع.
نحمد الله أن مصر ما زالت قادرة على لجم المقامرات والأعمال البهلوانية التي يمكن أن تحرق غزة عن بكرة أبيها. ونحمد الله أن نتنياهو ـ على عكس أقطاب اليمين الآخرين ما زال يرى في حماس ذخراً استراتيجياً لإسرائيل لجهة ما توفره من استمرار الانقسام، ومن انفصال غزة عن الجسد الوطني، ومنع قيام دولة فلسطينية، وإلاّ لكنا أمام تحول الملهاة إلى المأساة الكبرى.

الايام