عاطف شقير - النجاح - ان الدارس للتاريخ الإسلامي يجد بأم عينه ان الله عز وجل هو مصدر الرسالة السماوية التي تقوم على العدل الاجتماعي والحق البشري في العيش بكرامة، وما إلى ذلك من القيم الإسلامية المثالية. 

وهذا ما يعرف باللغة الإعلامية المرسل، وان الله عز وجل يتصف بصفة المرسل الذي يوجه عباده المؤمنين إلى طريق الحق والصواب في الحياة الدنيا، لكن هذه الرسالة تحتاج إلى وسيط اعلامي وبمعنى أخر مخبر إعلامي لهذه الرسالة السماوية النيرة، فكان الله عز وجل قد اختار رسوله الكريم محمد عليه السلام لتبليغ هذه الدعوة الإسلامية، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة العدل الاجتماعي في الأرض، وان الله عز وجل اصطفى سيدنا محمد عليه السلام لانه يمثل النموذج المثالي للدعوة الإسلامية التي من خلالها يتمكن من إرسال رسالته الإسلامية القرآنية إلى البشرية جمعاء.

ومن المواصفات التي تمتع بها الرسالة الإسلامية السماوية، أنها من عند الله عز وجل الذي يعلم ما الذي يحتاجه البشر للوصول إلى طريق الاستقامة والهدى والخير في الحياة الدنيا، ويكفينا قولا بان الرسالة التى اتى بها الله لا يمكن التشكيك بها لا من قريب او بعيد، وانها غاية في الإعجاز والبلاغة والدقة التي لا يستطيع البشر البلوغ إلى درجة الوصول اليها سواء أكان في مضامينها الدينية او العلمية او الاجتماعية، لان الله عز وجل ليس كمثله شيء وانه عليم خبير، على عكس المرسل الإعلامي البشري الذي يقوم بتبليغ الرسالة الإعلامية حسبما تملي عليه قوانين مهنته ودراسته الصحفية التي تقوم على الموضوعية والنزاهة، لكن هذه الرسالة الإعلامية تحتاج إلى مزيد من الجهود للرقي بالمجتمعات الإنسانية التي هي بحاجة ماسة إلى الاستقامة الاجتماعية والتنظيم المجتمعي المثالي، كما هو الحال في الرسالة السماوية مع فارق التشبيه.

الجدير ذكره، ان المخبر الصحفي هو رسول الله عليه السلام الذي يتصف بالمصداقية والأمانة والنزاهة التي تمكنه من توصيل الرسالة السماوية على نحو مثالي من الصدق والنزاهة التي ستمكن المسلمين أي ما يسمى باللغة الإعلامية الجمهور المستقبل من التصديق بهذه الرسالة نظرا لمصداقيتها وعدالتها في الطرح ، لكننا كما ندرك ان رسول الله عليه السلام واجه المكائد والصعاب من قبل كفار قريش، لصده عن تبليغ دعوته الإسلامية فاتصف سيدنا محمد عليه السلام بصفة الصبر في التبليغ والدعوة، وقد استطاع الرسول عليه السلام من خلال عدة عقود من تغيير الأفكار الكافرة التي ترزح تحتها قريش الى ان استطاع رسول الله بصبره وحلمه من تغيير هذه الأفكار الكافرة من خلال المعاناة والجهد الشديدين التي تعرض لهما لتبليغ دعوته ورسالته السماوية الخالدة.

 علاوة على ذلك، استطاع الرسول المخبر عليه السلام ان يتمتع بصف القدوة الحسنة للمجتمع الإسلامي، الأمر الذي سهل عليه مهمة تبليغ دعوته حتى وصلت إلى بلاد الهند والسند دونما أجهزة بث وإرسال، وانما عن طريق الفتوحات الإسلامية والتجار المسلمين الذين ضربوا أروع الأمثلة الأخلاقية في تعاملهم مع المجتمعات المختلفة.

اما الإعلامي اليوم فلا يتمتع بالمصداقية الخيرة التي تجعله نموذج يحتذى به من قبل أفراد مجتمعه، فتجده لا يتمتع بالمصداقية والنزاهة الإسلامية نظرا لانه محاط بهالة من المصالح الخاصة والاقتصادية التي من شانها تقليل العمق الإعلامي الرسالي في هذه الرسالة الخيرة.

فالمخبر اليوم لا يتمتع بالصبرعلى تبليغ أفكاره الإسلامية ،كما تمتع بها رسول الله عليه السلام حيث تعرض للأذى والاضطهاد الشديد من قبل كفار قريش لثنيه عن مواصلة تبليغ دعوته الإسلامية السمحة، فالمخبر الإسلامي اليوم في فلسطين المحتلة، يتعرض لمزيد من الضغوط والتحديات التي تثنيه عن مواصلة أداء هذا الدور الإعلامي السامي الذي انيط اليه بعد وفاة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة من الهجرة.
ومن هذه التحديات التي يواجهها الإعلام الإسلامي في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي الأمور الاتية :-

1- قلة وسائل الإعلام الإسلامية العالمية سواء أكانت على المستوى المقروء كالصحف او على المستويات المرئية او المسموعة التي من شانها نقل القضايا الإسلامية إلى العالم اجمع سيما الوسائل الناطقة بلغاتهم.
2-عدم توفر الإمكانات المادية اللازمة لشراء التكنولوجيا الحديثة التي تسهل إمكانية البث عبر مختلف أنحاء العالم.
3- عدم استغلال الكفاءات الإعلامية الإسلامية الموجودة على الساحة الإسلامية، مما يجعلها فريسة سهلة للإعلام اليهودي الذي يسعى إلى استقطابها.
4- عدم توفر الدول الإسلامية التي تعنى بالشكل الفعلي والحقيقي بتطوير الإعلام الإسلامي والرقي به ليصبح في مصافي الدول الغربية الا بعض النماذج التي ظهرت حديثا.
5- عدم قدرة الإعلام الإسلامي على منافسة الإعلام الغربي الذي اصبح يتحكم في مصادر المعلومات كالأخبار وغيرها، مما يجعل الإعلام الإسلامي رهين الرسالة الإعلامية الغربية.
اما فيما يتعلق برجع الصدى أي التأثير الذي تحدثه الرسالة الإعلامية على الجمهور بمختلف شرائحه،
فان هذا التأثير  كبير وذلك على المستوى المحلي للرسالة الإعلامية، حيث ان الجمهور العربي والإسلامي رهين قضاياه المختلفة سواء أكانت الوطنية منها او القومية.
اما فيما يتعلق برجع الصدى للرسالة الإعلامية الإسلامية فهو ضئيل سيما على الصعيد الدولي، لانه لا يوجد مؤسسات إعلامية اسلامية ضخمة ترقى لمخاطبة الرأي العام العالمي بلغاته المختلفة، لتتمكن تلك المؤسسات من تغيير مواقف الشعوب الغربية تجاه القضايا العربية والإسلامية المختلفة، حيث يتفرد الإعلام الغربي والصهيوني بالترويج  لفكرة ان النظام الإسلامي نظام إرهابي يقوم على العنف وسفك الدماء.

هذه الرسالة الإعلامية العربية التي يرسمها الإعلام الصهيوني و الغربي عن جمهورنا المسلم الذي يحتفظ بالمبادئ الإسلامية السامية وكأنهم يريدون من ذلك محاربة الإسلام بغطاء أخر، وقد صرح أحد زعامات البيت الأبيض في القرن الحادي والعشرين، ان هذه الحرب ليست موجهة ضد الإسلام وانما موجهة ضد الإرهاب العالمي.
وربما التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا التصريح انف الذكر، لماذا نشا الإرهاب في الجزيرة العربية وفلسطين المحتلة؟.
السؤال لا يحتاج إلى فلاسفة ومفكرين للإجابة عليه، هو ان الوجود الأمريكي والصهيوني في الجزيرة العربية وفي فلسطين المحتلة، هو الذي اوجد ما يسمى بالإرهاب العالمي الذي يتزعمه أسامة بن لادن وصدام حسين، فلماذا إذا بعد هذا الجدل المثير من ان تقوم أمريكا وإسرائيل بسحب البساط من تحت أقدام ما يسمى بالإرهابيين العالميين؟.
اما فيما يتعلق بالدين الإسلامي الذي يرفض المبادئ القائمة على سفك الدماء دون وجه حق او محاولة المسلمين إقناع الآخرين بالعدول عن سياساتهم والا شن المسلمون الحرب عليهم، ها هو الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي اصدر العهدة العمرية التي تحفظ للنصارى والصلبيين أرواحهم وحقوقهم في بيت المقدس، بعد ان تسلم رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس معلنا للناس كافة سياسة التسامح الديني بشان الصلبيين الذين بقوا في بيت المقدس عندما دخلها فاتحا.
لكن الغريب في الأمر، ان الإعلام الغربي يتجاهل مثل هذه السياسة الإسلامية في حواراته وبرامجه وأفلامه وأبحاثه وكتبه، مما يجعل الجمهور الغربي غارق في سماع الأحاديث التي تسيء إلى صورة الإسلام والمسلمين في ان هؤلاء مصاصو دماء وارهابيين، مما يبرهن ان الإعلام الغربي لا يتصف بالموضوعية الإعلامية الأخلاقية التي تنقل الحقيقة إلى جمهورها بدلا من ان تتحكم بمخزونه المعرفي كما يحلو لها من سياسات تتفق مع سياسات الاستعمار والمستشرقين في غابر الزمان ؟.
على صعيد اخر، فان الإعلام الإسلامي لا يستطيع تفكيك رموز هذه الدعاية الصليبية القائمة على الترويج الدعائي على ان المسلمين سفاحون، لان هذا التحدي يحتاج إلى مزيد من الجهود الإعلامية الكبيرة للقضاء على هذه الدعاية المغرضة، وهذا يتطلب الأمور الاتية :-
1- أجهزة بث قوية مع توفر إمكانات مادية كبيرة لدى مؤسسات الإعلام الإسلامي، للتمكن من توصيل الرسالة الإعلامية الإسلامية بمختلف وسائل الاتصال والى مختلف أنحاء العالم .
2-  تجنيد إعلاميين إسلاميين مفكريين لمحاربة هذه الدعاية الغربية المغرضة التي تريد النيل من حضارتنا الإسلامية.
3-  محاولة الوصول إلى العقول الغربية من خلال رسالة إعلامية متقدمة قائمة على الحجج والبراهين والدلائل المقنعة.
4-  دراسة الرأي العام الغربي ودرجة تأثره بالأعلام الإسلامي عن طريق استطلاعات الرأي التي من شانها إعادة التفكير في سياسة الإعلام الإسلامي وبما يخدم أهدافه المستقبلية.
6- محاولة القضاء على الأفكار السوداوية الغربية التي تحاول النيل من حضارتنا الإسلامية والعربية.
خلاصة القول، ان الإعلام الإسلامي أمام تحديات جسام في مختلف المجالات سيما في قضايا النشر والبث للخروج برسالة إعلامية تصل إلى مختلف أنحاء العالم، لتتمكن من تغيير العقليات الغربية من الشوائب والترهات التي علقت في أذهانها جراء خطاب الإعلام الغربي الدعائي المغرض.