احمد قريع - النجاح - قلم: أحمد قريع (ابو علاء)

رئيس دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير

بعد أسبوعين من الثبات على الحق، والصمود المشرف، والمقاومة بأنبل مظاهرها، انبلج فجر السابع والعشرين من تموز عن صبح مقدسي اغر، هلل فيه ابناء المدينة المقدسة وكبروا بتحقيق نصر عزيز، يستحق أن يشكل سابقة في تاريخ الكفاح الوطني الفلسطيني ضد احتلال غاشم، كان وهو يحاول وضع يده على المسجد الأقصى المبارك، يظن ظناً آثماً أنه مطلق الإرادة، كلية القدرة، وصاحب الكلمة التي لا راد لها، في تقرير مصير اول قبلة للمسلمين، وفرض سلطانه الاحتلالي الجائر على حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني ومقدساته، هذا الشعب الذي ينهض متحدياً كل القهر والظلم والمصاعب، وقبل التحدي الخطير، وصمد في هذا الاختبار بجدارة ترفع الرأس، ملحقاً بإسرائيل هزيمة لا مراء فيها.

لم تكن المعركة التي خاضها المقدسيون في المقام الاول، ومن خلفهم الفلسطينيون في الداخل والخارج والأشقاء العرب، معركة تخص المسجد الأقصى على أهميته الإستثنائية، بل كانت معركة وطنية كبرى تخاطب الاحتلال الكريه، وتحض على التصدي له بكل السبل المتاحة، وتستنهض كل ما في أعماق هذا الشعب المناضل العنيد من ارادة فاعلة، وقدرات كامنة، وابداعات كفاحية جديدة تناسب معطيات هذه المرحلة، فكان هذا اليوم المقدسي المجيد، وهذا المشهد الفلسطيني الباعث على الاعتزاز العظيم، وكانت هذه القوافل من الشهداء والجرحى والاسرى، وهذا التلاحم الوطني الرائع حول راية الاقصى، الأمر الذي قلب المعادلة، وحقق المعجزة، ونعني بذلك انتصار العين على المخرز، وانتزاع فوز ثمين، له ما بعده بكل تأكيد، وهو امر يعيه قادة اسرائيل المتطرفين دون ريب.

وليس لدي شك في أن نتائج هذه الملحمة الوطنية، التي أعادت الى الاذهان صور الانتفاضة الاولى قبل نحو ثلاثين عاماً، سوف تسجل كعلامة فارقة في مجرى الكفاح الفلسطيني المديد، إن لم نقل أنها لحظة كاشفة لصلابة معدن هذا الشعب، الذي تعرض الى ما لم يتعرض له شعب آخر، الا أنه ظل صامداً، وبقي متمسكاً بحقوقه المشروعة، ينقل الراية من جيل الى جيل، يقبض على الجمر، ويقاتل بالبندقية تارة، وبالحجر طوراً، وأخيراً بالصلاة على أرصفة الشوارع في القدس العتيقة، الى أن استعاد هويته الخاصة، وأكد حضوره السياسي، وتقدم خطوات عديدة على طريقه الطويل نحو حقه في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في الحرية والاستقلال، بإقامة دولته السيدة، وعاصمتها القدس الشريف.

ولعل الحصيلة غير النهائية بعد نضالات الأسبوعين الأخيرين، وما أسفر عنه هذا الكفاح البطولي من ظواهر وعبر ودروس ثمينة، هي الفاتحة العريضة لمرحلة سياسية جديدة، يراجع فيها الفلسطينيون آداءهم على كل صعيد، ليس فقط لتوحيد صفوفهم، واستعادة وحدتهم الوطنية، وتقييم مدى فاعلية الحالة الوطنية على ضوء تجربة الاقصى الملهمة، وانما ايضاً لاسترداد مضاء مؤسساتهم الوطنية كافة، وتعزيز شرعية قيادتهم، وزيادة قدرات مجتمعهم المدني، بما في ذلك رجال الدين والمؤسسة الدينية، التي أبلت احسن البلاء في هذه المعركة العظيمة، وحققت ما يشكل مفخرة لنضال شعبنا.

ذلك أن ما فاضت به تجربة المقاومة بالصلاة على مداخل المسجد الاقصى، وهي سابقة غير مسبوقة في سجل حركات التحرر العالمية، وما حققه النفير العام الى ثالث الحرمين الشريفين، من تداعيات ايجابية لا حصر لها، وصور كفاحية ملهمة، يقدم لنا جميعاً دروساً ثمينة، ينبغي الاستفادة منها دون تأخير أو تردد، في المقدمة منها تعزيز الوحدة الوطنية وفاعلية مؤسساتنا، وتعزيز روح المقاومة الشعبية، وزيادة حدة الكفاح الوطني والاشتباك السياسي والدبلوماسي مع المحتلين، وتحسين الآداء الفلسطيني على كل المستويات الممكنة، ناهيك عن رفع سقف الأهداف الوطنية، باعتبار أن معركتنا الطويلة لم تكن من أجل إزالة البوابات الالكترونية وكاميرات المراقبة التجسسية، على أهمية ذلك، وانما كانت في الاصل، بل وفي كل زمان ومكان، ضد استمرار الاحتلال بكل اشكاله ومفرداته، وفي المقدمة منها الاستيطان والقمع والانتهاكات والمصادرات، وغير ذلك من ممارسات لا تعد ولا تحصى.

في ختام هذه الكلمة العاجلة، لا يفوتني التنويه بصمود المقدسيين الذين فاجأوا به أنفسهم قبل أن يفاجئوا الاحتلال الغاشم، فكانوا هم وأصحاب العمائم البيضاء الطاهرة عند حسن الظن بهم، كرأس حربة طويلة في الكفاح الوطني الفلسطيني، لممارسة شعائره الدينية دون تدخل، والحفاظ على مقدساته الإسلامية والمسيحية أبد الدهر، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، فضلاً عن انتزاع حريته واستقلاله، وبناء دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

كما لا يفوتني ايضاً الاشادة بتضامن وتكافل أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف مناطق وجوده، مع اخوانهم في بيت المقدس، الأمر الذي تجلى فيه معنى الثبات على الموقف، وبلاغة الوحدة الميدانية، والإصرار على تحقيق الهدف، كما تجلت فوق ذلك كله عظمة هذا الشعب الذي لا يعرف الخضوع، ولا يخشى في الحق لومة لائم.