حسين حجازي - النجاح - إذا أردنا أن نعرف ما يدور من أحداث حولنا، علينا ان نعرف ما يحدث في البرازيل". كانت جملة لا تخلو من الطرافة يواصل الممثل السوري الراحل حسني البورزان واسمه الحقيقي نهاد قلعي، ترداد كتابتها في كل مرة ويتوقف بعد ان يقطع حبل أفكاره غوار الطوشة في مقالبه الطريفة. في هذه الكوميديا الجميلة في ذلك المسلسل الرمضاني أواخر الستينات "صح النوم"، في زمن لم تبلغ فيه هذه المسلسلات في شهر رمضان هذا المستوى من الانحدار والإسفاف، بعد ان تحولت الى نوع من المضاربة المربحة بحثاً عن الإعلانات، بل والى تحويل الفن الى نوع او قدر خطير من تغييب الوعي، بدل ان يسهم في صناعة الوعي. وحيث في غمرة هذه الاستباحة حتى لمعايير احترام القيم، والمعايير التي يمليها احترام هذا الشهر الأكثر قدسية، إنما يؤدي هذا الجنون من اللهاث وراء الربح والربح وحده، الى محاولة غزو العقل العربي وإدامة تجهيله.

أستحضر هذه الجملة الطريفة اليوم في زمن كان اكثر بساطة، وفن كان أكثر التزاماً، كمدخل لمحاولة فهم ما يُحضر هذه الأيام لغزة، بالعودة والرجوع لمعرفة ما يدور في الأزمة الخليجية في بُعد هذه الأزمة فلسطينياً. وكل أزمة في المحيط العربي لها بُعدها الفلسطيني، ما يبرهن كما حدث في ثورات الربيع العربي وفي الثورات المضادة اللاحقة كما يلاحظ الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، أننا أُمة عربية واحدة. وبالمناسبة ان هذه الأزمة تضيء في الوقت نفسه عن هذا الانشطار في المقاربة، إزاء صناعة الوعي العربي على مستوى الثقافة والاعلام والفن، بعد ان تحول الخليج العربي في غضون العقود الاخيرة الى ان يصبح هو اللاعب الرئيسي من الظل او الصفوف الخلفية، في ممارسة التأثير الحاسم بل ربما الدور القيادي في التأثير المباشر على هذه الموضوعات جميعاً.  

هل هذا الربط صحيح أو واقعي؟ والجواب يوضحه السؤال الآخر: هل المصادفة وحدها فقط هي التي تطرح القضية او المصير الغزي على هذا القدر من الاهتمام او السخونة إعلامياً؟ أقله مع اشتداد وتفاقم الأزمة الخليجية؟ وما يبدو واضحاً أننا لسنا ذاهبين الى حل او تسوية لإنهائها قريباً. ورأينا كيف حدثت الاستدارة سريعاً نحو طرح المسألة او المصير الغزي، وكأن الأزمة الخليجية هي الغطاء او الشرارة او اللحظة المواتية.

وهذا لم يحدث في ذروة انفجار ما سمي الربيع العربي الذي ضرب في مصر وسورية ودول عربية أُخرى، فهل يبدو الانفجار الخليجي اليوم هو الحلقة الثالثة في استكمال هذه السلسلة المتواصلة من الانفجارات او الأزمات العربية؟ التي بدأت بما سمي الربيع العربي عام 2011 ثم الثورات المضادة وأخيراً انفجار الشرق الكبير في آخر ملاذ للاستقرار في المنطقة.

وحيث تترافق هذه الأزمة مع صعود قوة ايران وتركيا على الحواف الشرقية والشمالية للعالم العربي، في مواجهة السعودية ومصر. واختلال غير مسبوق هو أيضا في التوازن العالمي في ظل الصراع والتنافس الذي بات اكثر انكشافاً بين أوروبا وروسيا من جهة، وأميركا بعد انتخاب دونالد ترامب من جهة أُخرى. ما يعني ان ما يحدث اليوم في الأزمة الخليجية الراهنة، قد يمثل بالفعل لحظة الانعطاف الحاسمة في إعادة تركيب التحالفات الإقليمية والدولية والتوازن العالمي نفسه. والسؤال اين نقف نحن الفلسطينيين في ظل هذه التموجات والاهتزازات الجارفة؟ وفي أي موقع او نقطة على الخريطة الجيوسياسية الآخذة في التشكل تقع القضية الفلسطينية ككل؟.

والواقع انه اذا كان من نتيجة مباشرة للانشطار الخليجي ونهاية حقبة ما سمي مجلس التعاون الخليجي، وما يؤدي اليه ذلك من تراجع او تضعضع بالدور القيادي الاوحد والتقليدي تاريخياً للسعودية، فإن هذا قد يعني نهاية ما سمي بالمبادرة العربية للسلام مع إسرائيل، اذا كان واضحاً لنا ان هذه الأزمة ليست ذاهبة او مفتوحة على حل سياسي او دبلوماسي، وإنما على نوع من الاصطفاف الإقليمي بين محاور إقليمية وامتدادات دولية جديدة، تكون السعودية للأسف خلالها وفيها طرفاً مستنزفاً وليس قائداً. حتى ليبدو ان المشهد الذي رأيناه في قمة الرياض العربية والإسلامية بحضور خمسة وخمسين من زعماء العرب والمسلمين، احتفالاً بترامب لن يتكرر وكان هو الأخير.

وهكذا ربما تكون قواعد جديدة للعبة قد تحددت معالمها، وان قطر التي تعود الى محور "الممانعة" هذه المرة مع تركيا وإيران والعراق وروسيا، مع مواصلة المناورة بين واشنطن وموسكو وتشديد تحالفها مع أوروبا. ربما سيكون بمقدور قطر وهذا الحلف او التوازن الجديد عرقلة أو تعطيل اي تسويات منقوصة لا يرضى عنها الفلسطينيون، والمقصود هنا عدم رضى الرئيس أبو مازن أي القيادة والمؤسسة الرسمية الفلسطينية.   ولكن هذا المحور على فرض صحة تحليلنا لا يمكنه ان يكون بديلاً او تعويضاً يملأ الفراغ السياسي، الذي يمثله ما كان يسمى الإجماع العربي الذي تمثل السعودية قيادته المركزية، والذي يبدو الآن كما لو انه ظهر للمرة الأخيرة في القمة العربية على شاطئ البحر الميت والضفاف الجغرافية الفلسطينية.

وهنا تكمن حراجة الموقف الفلسطيني، اذا كانت هذه الأزمة غير المتوقعة في الخليج والتي تحمل في تداعياتها إعادة خلط الأوراق، تطرح على الفلسطينيين تحديات لم يكونوا مستعدين للتصارع معها، داخلياً ومع أطراف في الإقليم. لكن بالمقابل اذا كان هذا التحول الذي يسحب المبادرة العربية للسلام عن الطاولة او جدول الأعمال، من شأنه أيضاً إسقاط ما يسمى التسوية الإقليمية. لانها تفقد الغطاء والوزن الإقليمي، فان ما يجري الآن هو خسارة استراتيجية لاسرائيل باغلاق النافذة الممكنة والوحيدة لعقد السلام الجماعي معها من قِبل الإجماع العربي والاسلامي، والتي ظلت مشرعة منذ خمسة عشر عاماً ولم تستغلها اسرائيل. 

وبينما يزداد التحدي والخطر فعلا على احتمالات الحرب او العودة الى الحروب الإقليمية السابقة مع إسرائيل على الجبهة الشمالية، بعد الاصطفاف الجديد المتوقع اذا لم يسارع ترامب الذي ارتكب حماقة عند بداية الأزمة الخليجية بصب الزيت على النار، الى إصلاح الخطأ وتالياً التعجيل بطرح تصوره للسلام او التسوية بين الفلسطينيين واسرائيل الذي وعد به. الا أنه سيظل الخيار الوحيد الممكن كمخرج من كل هذه التناقضات أو ربما الانسدادات، هو أخذ أوروبا زمام المبادرة وإعادة تفعيل المؤتمر الدولي للسلام.