عبد المجيد سويلم - النجاح - ليس سهلاً على أي كاتب سياسي أن «يغامر» بهذا الفهم لأسباب كثيرة ليس أقلها أهمية حدث تسلم الأمير محمد بن سلمان مهامه الجديدة، حيث لم يمر عليه حتى كتابة هذه السطور أكثر من يوم واحد.
ولي العهد الجديد شاب طموح جرى على ما يبدو «إعداده» من قبل مؤسسة الحكم السعودية في إطار الرغبة التي تحولت إلى إرادة سياسية في المرحلة الأخيرة.
وبقدر ما يتيح الحدث من مساحة للقراءة فإن تسلم الشباب لزمام الأمور في المملكة هو توجه رسمي يقف خلفه العاهل السعودي، وعلى الأغلب أن هذا التوجه هو جزء من منظومة متكاملة من التوجهات المستقبلية لمؤسسة الحكم في المملكة.
كان واضحاً منذ عدة شهور على الأقل أن الأمير الشاب يقوم بالمهام الفعلية لولي العهد، تماماً كما كان واضحاً أن الأمير الشاب يضطلع بمسؤوليات مركزية مباشرة على مستوى الدولة السعودية.
خصوم العربية السعودية وأعداؤها كثر في المنطقة، والتحديات الماثلة أمام مؤسسة الحكم كبيرة وحساسة.
منذ تولي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز دفة الحكم ثارت الأقاويل والشائعات واختلطت الأوهام بالتخيلات والتخمينات، تماماً كما اختلطت «التمنيات» المتربصة بالمملكة بالمراهنات على «اختلافات» كبيرة داخل هذه المؤسسة في محاولة للنيل من تماسك المملكة ووحدة مؤسساتها بل التشكيك في قدرة المملكة على تجاوز تحديات المرحلة لكن المراقب المحايد يستطيع أن يتلمس مجموعة كبيرة من التوجهات الحالية والقادمة في سياسات المملكة والتي هي وحدها ما يمكن أن يفسر ما جرى وما سيجري في المملكة الكبيرة.
يمثل الأمير الشاب حسب الكثير من التحليلات الرصينة هذه التوجهات ويعبّر عنها أكثر من أي شاب من الأمراء الذين هم جيل الأحفاد بعد أن أصبح جيل الآباء في حالة من الكهولة المتأخرة.
هنا يقال: إن العاهل السعودي كان من رواد تسليم الأحفاد لمقاليد الحكم بعد الإعداد الكافي لهم، كما يقال: إن العاهل السعودي يؤمن بهم وبدورهم وهو على قناعة تامة أنهم «قادرون على مواجهة التحديات» وإن لديهم ما يكفي لتسلمهم للمهام الجديدة.
هذا كله أولاً. أما ثانياً، فإن المملكة تعيش حالة من المراجعة الشاملة لضرورات التطوير والتحديث للبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المملكة بعد أن أصبحت الكثير من مخرجات هذه البنى عبئاً على هذا التطوير والتحديث، وتحولت إلى معيقات كبيرة أمام ضرورات انطلاق مرحلة جديدة عنوانها الرئيس هو تحول المملكة إلى قيادة سياسية فاعلة على المستوى الإقليمي والدولي لمواجهة الأخطار المحدقة بالإقليم وليس فقط بالمملكة. وترى القيادة السعودية أن مرحلة «الربيع العربي» قد أربكت الإقليم ودمرت جزءاً كبيراً منه بسبب غياب المركز القيادي العربي وإفساح المجال أمام المشاريع المختلفة بما في ذلك المشروع الإيراني والتركي والغربي الإسرائيلي، وإن ـ وهذا هو المهم ـ الإسلام السياسي في شقه الإيراني هو خطر داهم على المجتمعات العربية في الخليج، كما أن التوجهات المذهبية في نسختها السلفية والإخوانية هي المدخل المقابل لعملية التدمير الممنهج للمجتمعات العربية، وإن معركة الحفاظ على الذات وتحصين المجتمعات العربية والإسلامية من تلك الأخطار باتت تتطلب سياسات منهجية مثابرة لمحاربة التطرف والإرهاب، كما باتت تقتضي محاصرة هذه البيئة في المجتمعات العربية نفسها وصولاً إلى خطاب ديني جديد وإلى مناهج تعليمية متطورة، وإلى تحديثات عميقة في البنى الاجتماعية والثقافية، إضافة طبعاً إلى تحديثات عميقة في البنى الاقتصادية التي تحوّل الاقتصاد من وجهته الريعية إلى وجهات اقتصادية يكون في صلبها الحساب الاقتصادي والربحية والمردود الاستثماري.
من هذه الزاوية بالذات يمكن القول: إن تماسك العلاقة ما بين مصر والسعودية والإمارات والبحرين بدعم من الكويت وعُمان ومؤازرة كبيرة من الأردن والمغرب هو المؤشر على أن ملامح مركز عربي جديد يتم بناء مداميكه الرئيسة في هذه المرحلة على الرغم من كل الملاحظات التي يمكن أن يسجلها المرء على الكثير من مظاهر الضعف والقصور في الانتباه المتأخر لأهمية هذا المركز الجديد.
يخطئ من يعتقد أن مجيء الأمير محمد بن سلمان وبهذه القوة وبهذه السلاسة مسألة تتعلق «بالتوريث» أو بالحسابات الخاصة والصغيرة، ذلك أن مؤسسة الحكم في السعودية تجاوزت مثل هذه الحسابات منذ أمدٍ بعيد، وعلاقات الحكم في السعودية لا يمكن أن تكون رهينة أو مرهونة لمثل هذه الحسابات.
السؤال الذي يربك حسابات كل المراقبين المحايدين ـ وليس المتابعين المغرضين ـ هو علاقة المركز الجديد بالغرب وبالولايات المتحدة تحديداً وبإسرائيل على وجه الدقة والتحديد.
هنا يبدو الأمر غامضاً، إذ إن المؤشرات متناقضة في مظهرها الخارجي والإعلامي على الأقل. فتارة تبدو الأمور وكأن هذا المركز غير في نظام الأولويات وبات يعتبر «الخطر الإيراني» أكبر من الخطر الإسرائيلي، وتارةً يبدو هذا المركز وكأنه فاقد للقدرة على التأثير على الولايات المتحدة، بل تبدو الأمور وكأن سقفها الأعلى هو قبول الولايات المتحدة بهذا المركز ورضاها عنه حتى لو وصلت الأمور إلى «قبول» إسرائيل وتجنب الضغط عليها.
لكن الحقيقة في هذا كله ليست كذلك أو ليست كذلك بالضبط. وهنا أغامر بالقول: إن المركز الجديد يغرق ما بين خطرين: الخطر الداهم وهنا تبدو إيران بالنسبة لهذا المركز هي هذا الخطر، والخطر الدائم الذي تمثله إسرائيل.
الخطر الداهم لا يلغي الدائم ولكنه يغير في واقع الأولويات المباشرة.
ربما أن الخطر الدائم «يشارك» هذا المركز الموقف من الخطر الداهم فإن الأولويات في هذه الحالة لا بد وأن ترتبك، والتقاطعات في المصالح تخلق أوهاماً سياسية عند المراقب المحايد وعند المتابع المغرض.
المركز الجديد هو في موضع المراهنات المتعارضة والمتناقضة لكن المؤكد أن الجغرافيا السائلة أصبحت على الأبواب ودون وجود هذا المركز فإن الانهيار يصبح بحكم الحتمي.
دعونا نراقب فيما إذا كنا أمام مرحلة بعض الملامح الأولية من استعادة الوعي بعد هذه الغيبوبة التي عاشتها المنطقة على مدى أكثر من ست سنوات متواصلة من التدمير الذاتي أم أننا أمام محاولات لا تبدو ناضجة بما يكفي للمراهنة عليها.