النجاح الإخباري - سوار صادق محمد سكر

في مديح الحقيقة العارية

في عصر يتسم ب "سيولة الأخبار" واستبداد السرديات الرقمية المجتزأة، يمسي الرجوع إلى تجربة المهاتما غاندي الصحفية أشبه بإعادة ترتيب منظومة الأخلاق لمهنةٍ تكادُ تفقد اتزانها تحت وطأة "الخوارزميات" وصنمية "التريند". لم يكن غاندي صحفياً يبحث عن الإثارة أو يقتفي أثر السبق المعرفي، بل كان يرى القلم امتداداً حيوياً لفلسفته الوجودية القائمة على "الساتياغراها"، وأن الصحافة بمثابة تربية للضمير العام وتعبئة الشعوب سلمياً ضد الظلم. كان هدفه عدم إخضاع الصحيفة لاستعبادِ أصحابِ رأس المال بل يجعلها وساماً لخدمة الحقيقة.

هذا يجعلنا نقف أمام سؤالٍ وجوديٍ حقيقي: كيف يمكن للصحفي المعاصر أن يستلهم فلسفة اللاعنف والمواجهة بالكلمة الصادقة، في فضاءٍ إعلاميٍ مثقل بالتضليل الممنهج والانحيازات السياسية والرأسمالية؟

صحافة لا ترتهن للإعلان... التجرّد من صنمية رأس المال

تتجلى راديكالية غاندي الصحفية في قراره الصادم بمنع الإعلانات التمويلية في صحفه مثل "الهندي المغترب" باعتباره أن الصحافة رسالة حتمية لا تجارة، لا سيما أن هذا القرار لم يكن مجرد خيار إداري، بل موقفاً فلسفياً ضد تسليع الوعي. وقد أدرك غاندي منذ بواكير الأمر أن ارتهان الوسيلة الإعلامية لأموال الممولين يحولها تدريجياً من "حارس ضمير الأمة" إلى أداة منقادة لخدمة مصالح النخب الاقتصادية والسياسية بدلاً من الاضطلاع برسالة الحقيقة. 

وفي المقابل، حيث تتبدى المفارقة نجد فجوة هائلة بين ممارسات غاندي وواقعنا اليوم. في المشهد الإعلاميّ الحديث، تهيمن "التبعية التمويلية" على المؤسسات؛ فالخبر لم يعد يقاس بقيمته الإنسانية أو الأخلاقية، بل بقدرته على التفاعل المربح الذي يرضي المستثمرين وأصحاب المنصات. لا سيّما أن هذا التحول البنيوي حوّل الصحافة من "رسالة نضالية" إلى "صناعة إستهلاكية"، حيث يصبح الصحفي الحديث أسيراً في شرخ أخلاقي مرير بين إملاءات سوق العمل ومقتضيات الضمير المهني. ورغم أن نموذج غاندي الاقتصادي طوباوياً أو مستحيلاً في ظل الإنتاج الإعلامي الحالي، إلا أنه يبقى يجسّد "النقد الجذري" الذي يفضح زيف ادعاءات "الحياد والاستقلالية"، ويؤكد أن الاستقلال الفكري يبدأ أولاً من التحرر المادّي.

على تخوم السردية والضمير في الواقع الفلسطيني المعاصر

إذا حاولنا إسقاط مبادئ غاندي حول "الساتياغراها" على الواقع الإعلامي الفلسطيني المعاصر، نلحظ أن الصحافة في هذا الصدد تتجاوز مفهومها الغربيّ التقليديّ ك"سلطة رابعة" لتغدو فعل وجود وأداة تحرر أخلاقي وإنساني. لقد واجه غاندي الاستعمار وسجن بسبب مقالاته بتهمة إثارة الفتنة، وفي مشهدٍ يتقاطع مع ذلك يواجه الصحفيّ الفلسطينيّ اليوم استعماراً رقمياً وميدانياً يسعى لتشويه الحقيقة و وأد السردية الوطنية، بل واغتيال جسد وصاحب صوت الحق ذاته في الميدان.

إزاء ذلك، تعيد قراءات غاندي استجلاء معنى "الحياد الصحفي"؛ التجرد المهني في الفكر الغاندي لا تقصد "الحياد البارد" أو الوقوف على مسافة واحدة بين الضحية والجلاد، بل تشير إلى الإنحياز الصارم والمطلق للحقيقة الإنسانية العارية. إن التمسك بحياد شكلي في الواقع الفلسطيني قد يتحول الى اصطفاف مستتر مع رواية الهيمنة. الصحفي الفلسطيني، بإستنكاره وإصراره على نقل الوقائع والشهادات الحيّة، يمارس "العصيان المدني الرقمي" للرفض النشط للرضوخ لإملاءات خوارزميات المنصات العالمية التي تنتهج "العزل والحجب" للمحتوى الفلسطيني.

ومع كل هذا، يفرض علينا الواقع تحدٍ نقديّ شديد الحساسية يرتبط بِ "المسؤولية والأخلاق في زمن الحرب". التدفق المتسارع للمعلومات وتنافس المنصات الرقمية لتوثيق المعاناة يقع الصحفي في شباك "تسليع الألم" أو التسرّع في نقل الحدث دون تثبّت أو تحقق، في سباقٍ نحو السبق الصحفي. وهنا يتدخل "الضمير الغاندي" ليؤكد ما كان يلتزم به غاندي حيث يفضل الصمت أو إيقاف حملاته الصحفية والسياسية إذا ما شابتها شائبة من القصور في الدقة أو العنف الفكري. المسؤولية الأخلاقية الحتميّة للصحفي الفلسطيني تخضعه تحت موازنة حقيقية: أن يكون صوتاً للضحية بلا مواربة، ولكن بضميرٍ حاضر يرفض الزيف أو المبالغة، لأن قوة وقع القضية الفلسطينية تتجلى في شرعيتها وحقيقتها المطلقة، وأي نزعة تضليلية قد تُستغل للضرر بمصداقية السردية بأكملها.

في عمق الأمر وربطه، نرى أن غاندي كان يواجه استعماراً كلاسيكياً (إمبريالياً) يرمي إلى استنزاف خيرات الهند الاقتصادية باعتماده على حكم أقلية بريطانية. في تقاطعٍ واضح، يواجه الفلسطينيون استعماراً استيطانياً احلالياً يهدف إلى إقامة مجتمع مكان مجتمع اخر وطمس وجوده بالكامل. والاستشهاد الواقعي الأبرز يكمن في كل ما يحدث الان ونعيشه حيث يعكس موسم قطاف الزيتون في فلسطين جوهر "الساتياغراها" (المقاومة السلمية) عند غاندي؛ فعزيمة المزارع على الوصول لأرضه وقطف الثمار رغم قيود واعتداءات المستوطنين المتكررة يتجاوز كونه نشاط زراعي، بل يعتبر عصياناً مدنياً صامداً يتصدى لِقوة السلاح بثباتٍ راسخ بالحق، وتحويل شجرة الزيتون من رمزٍ للهوية إلى منهجية تحرر واستقلالية.

نحو صحافة رسالية في فضاء إلكتروني مضطرب

إن تصنيف الصحفيين والإعلاميين الذين نسعى إلى أن نكون منهم في المستقبل لا تنفصل عن هذا الإرث الأخلاقي، في عالم رقمي متسارع التحوّل، حيث يتماهى الفرد في سيل الصور والبيانات، وهنا يتبدّى الوعي في الحفاظ على "أصالة الوعي". نحن كطلبة وحاملين لرسالة فلسطين بمضمونها، لا نطمح إلى إتقان الأدوات التكنولوجية أو التميز في منهجيات السرد البصري والرقمي، بل نسعى إلى أن نكون حراساً لهذه الرسالة والرواية التاريخية والإنسانية. لنقل على صعيد هذا الأمر أن الصحفي الفلسطيني ليس "تقني" يواكب ويجيد جميع الأساليب والتقنيات بل "مفكر عضوي" يستلهم من غاندي قدرته على جعل الكلمة بوقعها قوة مادية قادرة على التغيير.

هذا يستلزم موقفاً نقدياً جريئاً لمواجهة "تبدّل توقعات الجمهور"؛ فالجمهور المعاصر قد اعتاد على المحتوى السطحي السريع، وهذا بحاجة إلى صحاقة تعيد له القدرة على التفكر والخوض في أعماق الأحداث، صحافة تحترم وسامة عقله وضميره بدلاً من دغدغة عواطفه العابرة. طموحنا المهني يعتمد فقط على تقديم صحافة رسالية تتخذ من الحقيقة منهج حياة، وتصبح النزاهة الفكرية هي الدرع والقوة في مواجهة التزييف والحد من الغرق في الفضاء الإلكتروني.

أبدية الثوابت وتطوّر الأدوات

خلاصة القول، إن قراءة غاندي بوصفه صحفياً في خضم الواقع الفلسطيني المعاصر تقودنا إلى حقيقة جوكرية: إن الأدوات والوسائط والمنابر الإعلامية في تطور مطَّرد. من المطبعة اليدوية والصحافة الورقية في زمن غاندي، إلى الشاشات الرقمية والمنصات التفاعلية في زمننا هذا؛ لكن "الثوابت الأخلاقية" للصحافة لا تشيخ ولا تتبدل.

يبقى "الضمير الحيّ" هو الرقيب الأوحد، وتبقى "الحقيقة بحتميتها" هي الغاية الأسمى، وتستمر "المسؤولية العامة" هي الأمانة التي يحملها الصحفي على كاهله. مقال غاندي بطبعه لم يمت، بل يبعث روحاً في كل كلمة يخطها صحفي فلسطيني يؤمن بأن الحقيقة المتجردة، مهما كانت محاصرة، هي القوة القادرة على هدم أسوار الزيف وبناء جسر الحرية والعدالة الإنسانية.