منال الزعبي - النجاح الإخباري - في خضم القصف والإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة يجري الحديث عن اليوم التالي للحرب على غزة، بدت الصحافة العبرية منشغلة أكثر من أي وقت مضى بما سمّته "معركة اليوم التالي"، حيث تقاطعت المقالات والتحليلات بين هواجس أمنية داخلية وضغوط خارجية متصاعدة، أبرزها من واشنطن ولندن، وصولاً إلى العواصم العربية.
فبينما تكشف هآرتس عن "وثيقة بلير" المدعومة أميركياً لإدارة القطاع، تضع يديعوت أحرونوت حدودًا واضحة رسمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام حكومة نتنياهو، في حين تُبرز يسرائيل هيوم جدلاً داخليًا حول "خطة الـ21 نقطة" لرئيس الوزراء نفسه، وما تحمله من إشكالات داخلية وخارجية على السواء.
هذه القراءة تستعرض أبرز ما جاء في تلك الصحف، وما تعكسه من اتجاهات داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية في ظل واقع إقليمي متوتر وأسئلة مفتوحة حول مستقبل غزة والضفة الغربية.
واشنطن و"وثيقة بلير": إدارة مدنية تحت سقف أمني إسرائيلي
صحيفة هآرتس كشفت أنّ المبعوث البريطاني السابق توني بلير تقدّم بمبادرة لإعادة إعمار غزة عبر "إدارة مدنية انتقالية" بدعم أميركي كامل، على أن تبقى "الهيمنة الأمنية" في يد إسرائيل. الصحيفة لفتت إلى أنّ البيت الأبيض يرى في الخطة "أفضل الخيارات الواقعية لتجنّب فراغ سلطوي" بعد الحرب، خصوصًا في ظل غياب توافق فلسطيني داخلي.
وبحسب التقرير، فإن الوثيقة تنصّ على "إشراف دولي على المساعدات وإعادة الإعمار"، مقابل التزام إسرائيلي بفتح المعابر وتسهيل إدخال البضائع. غير أنّ الصحيفة طرحت تساؤلًا: هل تستطيع إدارة كهذه أن تنجح دون معالجة "جذر المشكلة" المتمثل في استمرار السيطرة الإسرائيلية؟
ترامب يرسم الخطوط الحمراء: لا ضمّ للضفة
أما يديعوت أحرونوت، فقد ركزت على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أوصل رسائل واضحة إلى حكومة نتنياهو مفادها: "لا لضمّ الضفة الغربية"، محذرًا من أن أي خطوة أحادية بهذا الاتجاه "ستضرّ بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط".
الصحيفة أشارت إلى أنّ هذه المواقف تعكس محاولة أميركية لـ"ضبط إيقاع" حكومة اليمين الإسرائيلي ومنعها من الذهاب بعيدًا في طموحاتها الاستيطانية، في وقت تُطرح فيه خطط متعدّدة لمستقبل غزة. وأضافت أنّ نتنياهو يجد نفسه بين مطرقة واشنطن وسندان شركائه في الائتلاف، الذين يضغطون باتجاه خطوات أحادية الجانب.
"خطة الـ21 نقطة": بين هواجس الداخل وضغوط الخارج
صحيفة يسرائيل هيوم أولت اهتمامًا بخطة نتنياهو المعروفة باسم "وثيقة الـ21 نقطة" لإدارة غزة في اليوم التالي. الخطة، وفق الصحيفة، ترتكز على "إبقاء السيطرة الأمنية بيد إسرائيل" مع إنشاء "سلطة محلية بديلة لحماس"، وتوظيف التمويل الدولي لإعادة الإعمار.
غير أنّ الصحيفة كشفت عن خلافات حادّة داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها حول إمكانية تطبيق الخطة: فبينما تراها بعض الدوائر الأمنية "ضرورية لضمان الاستقرار"، يحذّر سياسيون ودبلوماسيون من أنّها "ستصطدم برفض فلسطيني وعربي واسع"، فضلاً عن تعارضها مع المواقف الأميركية والأوروبية التي تطالب بدور مباشر للسلطة الفلسطينية.
عقدة حماس والأسئلة العربية
إلى جانب ذلك، تطرّقت الصحف الثلاث إلى ما سمّته "المعضلة المركزية": مستقبل حركة حماس في اليوم التالي للحرب. هآرتس رأت أن أي خطة لا تتعامل مع حماس كجزء من الواقع الفلسطيني "محكوم عليها بالفشل"، بينما رأت يديعوت أحرونوت أن "الخيار العسكري لإقصاء الحركة بالكامل ما زال بعيد المنال".
أما يسرائيل هيوم فركّزت على "الأسئلة التي يطرحها العرب"، وفي مقدمتها: كيف يمكن لإسرائيل أن تفرض إدارة جديدة في غزة دون توافق فلسطيني ودون غطاء إقليمي؟
بين "وثيقة بلير"، وضغوط ترامب، وخطة نتنياهو، تبدو إسرائيل غارقة في معركة معقّدة عنوانها "اليوم التالي لغزة". الصحافة العبرية تكشف أنّ ثمة إدراكًا متزايدًا في تل أبيب بأن الحرب قد تنتهي، لكن أسئلتها السياسية والأمنية ستظل مفتوحة، من مستقبل الضفة الغربية، إلى طبيعة العلاقة مع واشنطن والعواصم العربية. ولعلّ السؤال الأبرز الذي يطرحه المشهد اليوم: هل تستطيع إسرائيل أن تصوغ مستقبل غزة وحدها، أم أنّ "اليوم التالي" سيكون محكومًا بتوازنات إقليمية ودولية أوسع مما تظن؟
المصدر: النجاح+ الصحافة العبرية