رفيدة عطايا - النجاح الإخباري - في ظل الحرب الهمجية الشرسة التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة، يجد الشباب، وحتى الأطفال، أنفسهم في مواجهة تحديات يومية تتعدى حدود الصمود العادي. هذا هو حال "إسماعيل عبد العاطي" الذي خرج من منزله في أوائل الحرب ليؤمن لعائلته حاجاتها الأساسية من الطعام، ولكن ما بدا وكأنه رحلة قصيرة تحول إلى كابوس، حيث لم يتمكن من العودة إلى بيته، بسبب الحصار "الإسرائيلي"، وسياسة فصل جنوب غزة عن شمالها.
قصة هذا الشاب ليست مجرد حكاية فردية، بل هي جزء من واقع يومي يعيشه آلاف الفلسطينيين المحاصرين الذين يقفون في وجه ظروف قاسية، وسط صمت دولي مطبق ومستمر.
وبينما كان "روبن هود" شخصية خيالية مشهورة ببطولتها وشجاعتها، يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، محاربًا الفساد والظلم في إنجلترا القديمة... نجد على نحو مشابه له في الواقع المعاصر شخصية، ولكنها حقيقية، يجسدها "إسماعيل" الذي رغم محاصرة الاحتلال لغزة وتوغل جيشه فيها، تصرف بجرأة وشجاعة لمساعدة عائلته؛ فكان يسرق طعام جنود الاحتلال الذين قطّعوا أوصال غزة، ودمروا معظم أبنيتها وأحيائها، وتمركزوا في بعض مناطقها...
وعلى الرغم من الاختلاف بين القصتين في الزمان والمكان، إلا أن كلاًّ من "روبن هود" و"إسماعيل" يمثلان رمزًا للشجاعة والنضال في مواجهة الظلم.
التوغل البري
بعد شهرين من حرب الإبادة الجماعية والحصار والتجويع، توغل جيش الاحتلال بريًّا، وشنّ هجومه على أربع مدارس تابعة لوكالة الغوث "الأونروا"، وقتل جميع النازحين الذين لجأوا إليها من نساء وأطفال وشيوخ، ثم انسحب منها. عندها شارك إسماعيل ذو العشرين ربيعًا بسحب جثث الشهداء وأشلائهم من المدرسة.
وبحسب قول إسماعيل إنهم سحبوا جثثًا لشهداء بين المئة والمئتين، "كنا نجيب كياس نايلون من السوبر ماركت، ونحط فيهن الأشلاء... مش عارف إذا حتتحملي قساوة الحكي، بس أنا مجبور أوصف المشهد"، بهذه الكلمات حاول إسماعيل مراعاة مشاعري عند وصفه للواقع المرير في غزة.
فبدل أن نخجل نحن من أنفسنا أمام هول ما يحصل، كان هو من يحاول انتقاء مصطلحاته كي لا يؤثر على نفسيتي! إنهم شعب الجبارين.
أكمل إسماعيل بحسرة: "بعد ما قتلوا نص النازحين ضل نص منهم عايش وشردوا عنا بالشارع، وكان القواص شغال، يلي بروح يمين بموت، ويلي بروح شمال بموت، ويلي بضل واقف بالنص هو وحظو، لهيك صرنا نخبيهن عنا بالبيت، لإنو والدي كان عندو عمارتين وأجرناهم للنازحين، وطبعًا الشقق ما وسعت كل النازحين، فالباقي قعد عالدرج، وصرنا نجبلهم أكل وشرب لعندهم، وحتى عطيناهم قرآن عشان يقعدوا يدعوا وما نموت كلنا".
سرقة طعام جنود الاحتلال
بحسب ما قاله إسماعيل، ظلوا بعدها محاصرين في المنزل لمدة 11 يومًا بلا طعام أو شراب، ثم يضيف: "كنت أروح بالسرقة بدون علم أهلي أجيب أكل ومي، لإنو أهلي قبلي، يعني أموت أنا ولا يموتو أهلي". وبدأ برواية تفاصيل سرقة طعام جنود الاحتلال، قائلاً: "كانت الدبابات متمركزة في مدرسة قريبة من منزلي، وكنت مثل الرادار أراقب تحركاتهم من الشرفة، موعد خروجهم وعودتهم، وعند خروجهم كنت أذهب خلسة إلى المدرسة، وأقوم بسرقة المعلبات وكل ما أجده أمامي من مخلفات وبواقي طعام".
وبعد أن ذهب مرتين "لسرقة الطعام"، وأصبح "خبرة" على حد تعبيره، وخلال تجهزه في المرة الثالثة للذهاب التقى بجاره الذي أتى للاطمئنان على منزله، وانصدم أنهم ما زالوا على قيد الحياة. عندها أخبره إسماعيل أنه ذاهب لسرقة طعام اليهود، لأن الأطفال في منزله يبكون على مدار الـ24 ساعة، ليرافقه الجار الذي يكبره بثلاثين سنة في رحلة المجازفة بحياتهما.
"طب ها كيف بدي أعيّش أهلي بدكيش ياني أسرق؟! بس أنا والله ما بسرق غير المكتوب عليه بالعبري، أما أكل النازحين فيحرم علي... طيب أنا بحسش بس الصغار إيش ذنبهم؟!" بحسرة وألم، أخبرني إسماعيل أنه كان يضحي بحياته من أجل عائلته.
وروى تفاصيل قصة جاره الذي مات أثناء عودتهم من المدرسة، قائلاً: "كنت خايف كتير، وما ضل آية ما قرأتها وأنا رايح، وكل الليل وأنا أقرأ وأدعي. المهم راح معي، وكان معنا شاب ثالث صادفناه على الطريق، وعند وصولنا إلى المدرسة بدأنا بجمع المعلبات، وكانت فرحتنا كبيرة لدرجة أنه إذا خيرنا لحظتها بين الطعام ومليون دولار لاخترنا الطعام، خاصة أننا لم نكن نأكل سوى نبتة الخبيزة التي كنا نلتقطها عن جنب الطريق في شارعنا، والتي اعتبرناها معجزة من الله، لأنها المرة الوحيدة التي تخرج من شارعنا هذه النبتة، ولكن الله معنا".
تابع قائلاً: "عندما انتهينا وإجينا نروح عبينا الأغراض بحرام، ما منعرف لمين بس كان كلو دم، إن شاء الله الله يسامحنا، وعند خروجنا من.