نابلس - النجاح الإخباري - في ظل التصعيد المستمر للحرب مع إيران، تتباين التقديرات حول مآلاتها وانعكاساتها الإقليمية، في وقت تشير فيه تحليلات إسرائيلية إلى مفارقات استراتيجية عميقة، مقابل تحولات لافتة في حسابات دول الخليج العربية.

فبحسب تحليل نشرته صحيفة يسرائيل هيوم، تتضح مع مرور الوقت صورة حملة عسكرية لا تنجح في تحقيق هدفها المركزي بإسقاط النظام الإيراني، بل تسهم في جوانب عدة في تعزيزه. إذ تواصل إيران إظهار قدرة على الصمود، من خلال الحفاظ على سيطرتها في المجال البحري ومضيق هرمز، والاستمرار في استهداف بنى تحتية للطاقة، إلى جانب الحفاظ على وتيرة مستقرة من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع غياب مؤشرات اضطراب داخلي واسعة. كما تحتفظ بمخزون يُقدّر بنحو 440 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

ويشير التحليل إلى أن استمرار الحملة بالصيغة الحالية لا يقرب تحقيق أهدافها، بل يخلق بيئة “حرب استنزاف” تخدم إيران استراتيجيًا، محذرًا من أن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى رد إيراني شديد يضر بسوق الطاقة العالمي والدول الخليجية. وفي هذا السياق، يبرز خياران لا ثالث لهما: إما التوصل إلى اتفاق يركز على الملف النووي، حتى لو كان ذلك على حساب القبول باستمرار النظام الإيراني، أو المضي في مسار شامل لإسقاطه مع ما يحمله من كلفة أمنية واقتصادية وسياسية مرتفعة ودون ضمانات للنجاح.

في المقابل، ترصد صحيفة هآرتس تحولات مقلقة في واقع دول الخليج، التي تجد نفسها في قلب تداعيات الحرب، وسط قيود مشددة على تداول المعلومات المتعلقة بالهجمات الإيرانية، وغياب شبه كامل للبعد الإنساني في التغطيات الإعلامية. وتشير معطيات إلى أن نحو 83% من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وُجهت نحو دول الخليج، مقابل 17% فقط نحو إسرائيل، مع تسجيل آلاف الإصابات المباشرة في دول مثل الإمارات والسعودية والكويت وقطر وعُمان.

وتواجه هذه الدول، وفق التقديرات، خسائر اقتصادية قد تصل إلى ما بين 4% و5% من ناتجها المحلي الإجمالي في حال توقف الحرب حاليًا، مع ارتفاع متوقع في عجز الموازنات، كما في السعودية، واحتمالات لتأجيل أو تجميد مشاريع اقتصادية كبرى، بينها مشاريع ضمن “رؤية 2030”.

ورغم هذه التداعيات، لم تبادر دول الخليج إلى تغيير استراتيجيتها أو الانخراط المباشر في الحرب، في وقت تتعرض فيه مفاهيم “الردع الدفاعي” و”الحياد الحذر” التي اعتمدت عليها إلى اهتزاز واضح. كما أظهرت العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية التي نسجتها مع إيران، بما في ذلك اتفاقيات الملاحة وعودة العلاقات السعودية–الإيرانية، محدودية فعاليتها في توفير الحماية.

في المقابل، ترى إيران أنها نجحت في استغلال نقاط ضعف هذه الدول، لا سيما عبر استهداف البنية التحتية للطاقة واستخدامها كأداة ضغط، مستندة إلى تقدير بأن الأضرار التي قد تلحق بها من جانب الخليج ستكون محدودة مقارنة بما تكبدته من الولايات المتحدة وإسرائيل، مقابل مكاسب استراتيجية محتملة، من بينها إحداث شرخ بين دول الخليج وواشنطن.

وتعكس هذه التطورات، وفق التحليل، واقعًا استراتيجيًا جديدًا، إذ لم تعد إيران تُنظر إليها فقط كدولة ينبغي ردعها، بل كقوة تمارس الردع، خصوصًا من خلال سيطرتها على مضيق هرمز. وهو ما يفرض على دول الخليج إعادة تقييم سياساتها الأمنية، في ظل تراجع الثقة بقدرة التحالف مع الولايات المتحدة على توفير الحماية الكافية.

وفي هذا السياق، تعود إلى الواجهة مقترحات قديمة–جديدة، مثل إنشاء تحالف خليجي دفاعي شبيه بحلف “الناتو”، أو تشكيل أطر إقليمية أوسع، إلا أن التباينات بين دول الخليج وتعقيدات تحالفاتها الثنائية تجعل من تحقيق مثل هذه المبادرات أمرًا صعبًا في المرحلة الراهنة، في وقت يُستبعد فيه أن تكون إسرائيل شريكًا مقبولًا في أي تحالف مستقبلي، نظرًا إلى تحميلها مسؤولية اندلاع الحرب