منال الزعبي - النجاح - فلسطين عنوان الأصالة والنضال ولها من الموروث التراثي ما يميزها ويمنحها الهوية الفلسطينية رغم كيد المحتل.

هذا التراث الذي يعاني هجمية صهيونية شرسة في محاولة لسرقته وتبنيه وتمويهه لصالح أهداف صهيونية بحتة، وتغرينا وسائل التحضر والتمدن بمنتجاتها من خلال دمج الثقافات العالمية و ادخالها لحياتنا فأصابنا مرض التقليد الطامس لهويتنا.

محفورة في الذاكرة:

زمان الحرب طال بطول مده

وهذا إحنا ما بين جزره وبين مده

مثل موج البحر أخذ وعطا

أبيات ردَّدها أجدادنا الفلسطينيون في الزمن الجميل قبل النكبة واللجوء، البال الهادئ، كمن يرى العاصفة خلف الهدوء، والأسى بعد الفرح.

لكن الأمل لن ينقطع "مثل موج البحر أخذ وعطا فننصت -رغم ضجيج الموت حولنا- لشدو أفراح الراحلين، نقطف زهرًا من حدائق تراثنا الشعبي المفعم بالأمل والفرح.

وبعيدًا عن أجواء الصالات الخانقة المترفة اليوم والتي تثقل كاهل العريس في حين كان العرس في تراثنا أجمل يوم لم تخنقه حواجز الاحتلال ورصاصه وحصاره.

 في زمن الانتفاضات المتكررة كالمخاض، كان العريس يغتنم ساعتين يُرفع فيهما منع التجوال ليخطف عروسه مشيًا على الأقدام، أو بسيارة إسعاف -إن حالفه الحظ- لتزف إليه على همس أغنيات خائفة ترددها بضع نسوة حوله على عجل قبل أن يكشفهم المحتلون متلبسين بالفرح الممنوع.

عودة للماضي

 تميز العرس الفلسطيني بأغانيه الشعبية التي ينظّمها ويلحّنها شعراء القرية أو المدينة الفلسطينية، والتي تعكس الحالة النفسية لأهلها والعادات والتقاليد الاجتماعية، كلمات والحان يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد مشكلين حلقة وصل بين الماضي والحاضر، راصدين تعلق الفلسطيني بأرضه، وانتماءه لقريته، عاكسين شخصية الفلسطيني  وعواطفه وهمومه باللهجة العامية المتداولة في المدن وقراها.

أغان تمدح شباب هذه القرية ونسبها وحسن فتياتها المدن والقرى الفلسطينية مثل "الدلعونة يا ظريف الطول"، وكذلك "الهاهات والعتابا"، ترافق  مراحل الزفاف، على وقع الدبكة الشامية بصحبة نغمات الشبابة (الناي)، حلقة يرسمها مجموعة من الشبان والصبايا، ويكون على رأس هذه الفرقة اللويح الذي يحمل منديلاً مجدولاً يقود الفرقة وينظم حركاتها، ثمَّ ينفرد اللويح بعد الانتهاء من مقطع "على دلعونا" عن المجموعة ويقوم بحركات رشيقة ملوحًا بمنديله ومتجولًا أمام الحلقة.

علاس عام 1943

بنت الحسب والنسب عروستنا

"المال، الجمال، الحسب، الدين" أسباب تنكح المرأة لأجلها، في التراث الفلسطيني لم يكن للجمال والغنى أهمية بالغة كما هو الحال اليوم  فقد "تغنى الفلسطينيون بنسب العروسة وأصالتها،  فقالوا في أغانيهم الشعبية في زفة العريس:

هذي الأصيلة وبنت الأصايل  وهذي التي لا نقال عنها ولا جرى

ولا تعيّرت شبابها في المحاضر  ولا حد عيّرها ولا حد عابها

حيد ولا توخذ بنات النزايل  لا تؤخذ إلا البنت لو كانت الشمس أمها

والبدر أخوها والهلال ابن عمها  عماتها يا زين ما حدا مثلهن

وخالاتها يا زين مثل نجوم الزواهر

ولم تكتفِ الأغاني الفلسطينية بنسب الفتاة من والدها، بل وبحثوا عن نسبها من والدتها فقالوا: "ابحث عن خال لولدك"، كما نقّبوا عن أصل العريس وشجاعته:

عريسنا عنتر عبس عنتر عبس عريسنا

يا بنت يللي في السما طلي وشوفي في فعالنا

ورغم الحالة الاقتصادية السيئة التي كانت تعاني منها بعض القرى الفلسطينية، فإنهم لم يعيروا اهتمامًا للمال، بل إنهم يدفعون المال الكثير ليفوزوا بنسب أهلها فقالوا:

عدينا المال في فيّ التفاحة   نسبنا رجال وأخذنا الفلاحة

عدينا المال في فيّ الليمونة  نسبنا رجال وأخذنا المزيونة

و يتبع  العرس الفلسطيني نظامًا وطقوسًا خاصة  على النحو التالي:

سهرة الحنا:

يجتمع رجال القرية ومعهم النساء يغنون للعريس تحفهم الدبكة في حين يقون أحد شبّان القرية ويكون " على وجه زواج" بنقش الحناء على كف العريس

و تغني النسوة له الأغنية الأشهر في التراث الفلسطيني:

"مد إيدك حنّيها يا عريس،

مدّ إيدك حنّيها يا لا لا،

ليلة وافرح فيها يا عريس،

ليلة وافرح فيها يا لا لا،

مدّ إيدك نتفة نتفة يا عريس،

مدّ إيدك نتفة نتفة يا لا لا،

شمعة ولا تنطفي يا عريس،

شمعة ولا تنطفي يا لا لا،

مدّ إيدك ولا تهتم يا عريس

مدّ إيدك ولا تهتم يا لا لا

حواليك أولاد العم يا عريس

حواليك أولاد العم يا لا لا"

ومن الأغاني الدارجة في أعراس فلسطين، أيضًا، أغنيتا "سبّل عيونه ومد إيده يحنّونه"، و "شيّعوله أولاد عمّه ييجولُه".

حمام العريس:

في ضحى اليوم التالي تبدأ طقوس الزفاف من حمام العريس والذي يكون في بيت أحد الجيران أو الأقارب يتبعه موكب الزفة يرددون فيه:

طلع الزين من الحمام الله واسم الله عليه ورشوا لي العطر عليه

عريسنا زين الشباب زين الشباب عريسنا.

ثمَّ يزف الرجال والنساء العريس على الفرس المزينة وتحت مظلة مزركشة من بيت الداعي للحمام  إلى بيت العريس،  ويرش أهالي القرية الملبس على رؤوس المحتفلين على طول الطريق.

الغداء:

كرم فلسطيني مشهود حيث يطعم أهل العريس أهالي القرية أجمع، يذبح الرجال الذبائح وتطهوها النساء مع الأرز واللبن بشكل جماعي.

ويتجمع أهالي القرية حاملين معهم أكياس الأرز أو السمن أو الشاي كلٌ قرية وعاداتها الدارجة.

ثم تذهب كبار النسوة من أهل العريس إلى بيت أهل العروس:

قومي اقريله يا فلانة آية قرآن .. يجمع شملك مع شمله على الأمان

وشدلها يا بوها شد لها وإن طلبت مصاري عدّ لها

ثمَّ ويصحبنها برفقة بعض النسوة من أهلها إلى بيت زوجها، يرددن ترانيم الوصايا للعريس أن يصون عروسه قائلات:

هذي ضيفتك يا عريس هذي ضيفتك حييها

لا تسمع من كلام أمك هذي جاهلة ربيها

هذي ضيفتك يا عريس هذي ضيفتك كرّمها

لا تسمع من كلام أمها هذي جاهلة علّمها

وتُحمّل العروس بما يلزم بيتها من فرش وأدوات من قبل الأهل.

كما عزَّزت العديد من الأغاني الشعبية زواج البنت داخل القبيلة حتى قيل: "غريبة ما غربها إلا الدراهم"، فالمعروف أن العريس الذي يتزوج من خارج قبيلته يدفع مهرًا أكبر.

 

ورغم غزو ثقافات مختلفة وفنون مختلفة عربية وعالمية للثقافة الفلسطينية بما في ذلك محاولات الاحتلال الإسرائيلي طمس الهوية الفلسطينية بكلِّ تعبيراتها إلا أنَّ "الدبكة" حافظت على استمراريتها وحضورها في كل المناسبات، فلا يكاد يخلو عرس فلسطيني تقريبًا منها ويبدع بها أغلب الفلسطينين بل ونقلوها حيث ذهبوا.

ويظلُّ إحياء التراث وتعزيز الانتماء وتكريس الثقافة  هدف كلِّ شريف يسعى لحفظ  الأصالة والهوية الفلسطينية.