النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر
كاتب رأي
(قراءة في طرح د. فواز عقل حول الرؤية الجديدة للتوجيهي)
ليس من السهل الاقتراب من "التوجيهي" في الوعي الفلسطيني؛ فهو ليس امتحانًا فحسب، بل طقس اجتماعي، ومؤشر عدالة، ورافعة أمل لآلاف الأسر.
لكن القيمة الحقيقية لأي منظومة تعليمية لا تُقاس بقدرتها على ترسيخ الطقوس، بل بقدرتها على صناعة الإنسان. هنا تكمن أهمية مقال د.فواز عقل ، فهو لا يهاجم التوجيهي، بل يضعه على طاولة التشريح التربوي، ويسأل السؤال الذي طال تجنّبه: هل نقوّم من أجل الفهم أم من أجل الفرز؟
الدكتور فواز لا يقف عند حدود التغيير الشكلي ، بل يذهب مباشرة إلى فلسفة التقويم ذاتها. حين يذكّرنا بأن كثرة الاختبارات والدروس الخصوصية وإطالة ساعات الجلوس ليست ممارسات بريئة، بل تعيد إنتاج ثقافة الحفظ والانصياع، فهو يعيدنا إلى جوهر التربية كما فهمها خليل السكاكيني: المدرسة التي تقوم على العلامة والعقاب تُنتج موظفين مطيعين، لا مواطنين أحرارًا قادرين على التفكير والمساءلة.
الأهم في طرحه أنه لا يكتفي بالنقد، بل يفتح أسئلة موجعة حول الجاهزية: هل المدرسة الفلسطينية، في ظل الاحتلال والأزمات الاقتصادية وكثافة الصفوف، مستعدة لانتقال نوعي في فلسفة التقويم؟ هل سيبقى التغيير محصورًا في شكل الأسئلة، أم سيمتد إلى بنية العلاقة بين المعلم والطالب؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا ، إنها شرط الأمن التربوي. فالتوجيهي، رغم كل عيوبه، كان معيارًا يُنظر إليه باعتباره الأكثر عدالة في توزيع الفرص. وأي مساس غير محسوب به قد يهزّ الثقة العامة بالنظام التعليمي.
من هنا تأتي أهمية ما أشار إليه الدكتور حول دور الجامعات. لا معنى لإصلاح المدرسة إذا كانت بوابة التعليم العالي ما زالت تُكافئ الحفظ وتُقصي التحليل. الجامعات تشتكي اليوم من طلبة يمتلكون علامات مرتفعة وقدرات تحليلية متواضعة. إذن، الإصلاح يجب أن يكون تعاقدًا متكاملًا بين المدرسة والجامعة، بحيث تُقاس المهارات التي يحتاجها التعليم العالي وسوق العمل، لا مجرد استرجاع المعلومات.
لكن ما يميز المقال حقًا هو التقاطه لروح الجيل. "جيل الشاشات" ليس أقل ذكاءً ولا أقل صبرًا ، إنه ببساطة يعيش في بيئة معرفية مختلفة. الطالب الذي يقضي ساعات أمام الشاشة لا يمارس كسلاً، بل تفاعلاً. المشكلة ليست في قدرته على الانتباه، بل في طبيعة الوسيط التعليمي الذي نقدّمه له.
إذا بقي الصف قائمًا على التلقين، فسنخسر هذا الجيل تدريجيًا. المدرسة مطالبة بأن تحاكي جاذبية العصر الرقمي: مشاريع، تعلم قائم على حل المشكلات، عمل جماعي، ومساحات للنقاش الحر.
ومع تأييدي الكامل لطرح الدكتور فواز، أضيف بُعدًا أراه حاسمًا في أي رؤية جديدة: فك الارتباط بين الامتحان الواحد والمصير الواحد. لا يمكن لمنظومة عصرية أن تربط مستقبل الطالب بورقة في يوم واحد. التقويم التكويني الممتد، وسجل الإنجاز، والمشاريع البحثية، والتقييم العملي، كلها أدوات يجب أن تُدمج تدريجيًا لتخفيف مركزية "اللحظة الفاصلة". العدالة لا تتحقق فقط بتوحيد الامتحان، بل بتوزيع فرص التقييم على زمن أطول ومسارات متعددة.
كما أن الرؤية الجديدة يجب أن تُعيد تعريف النجاح ذاته. النجاح ليس رقمًا من 100، بل قدرة على التفكير النقدي، والتواصل، والعمل ضمن فريق، واتخاذ موقف أخلاقي. إذا لم تدخل هذه الكفايات إلى صلب عملية القياس، فسنظل ندور في حلقة مفرغة مهما غيّرنا أسماء الامتحانات.
مقال د. فواز عقل يذكّرنا بأن الإصلاح التربوي ليس قرارًا إداريًا، بل شجاعة ثقافية. هو دعوة إلى الانتقال من "ثقافة الانتظار" إلى "ثقافة الفعل"، ومن "رهبة الورقة والقلم" إلى "ثقة الإنسان بنفسه". التحدي ليس في إعادة تصميم الأسئلة، بل في إعادة صياغة عقد التعلم بين المدرسة والمجتمع.
نحن لا نحتاج إلى امتحان جديد بقدر ما نحتاج إلى رؤية جديدة للإنسان الذي نريد أن نصنعه. وإذا كانت البوصلة تُصنع لليوم التالي كما قيل، فإن هذه اللحظة هي لحظة صناعة البوصلة، لا انتظارها.