النجاح الإخباري - د.ياسر أبوبكر
بوصفي ابن هذه الحركة، لا أتعامل مع سؤال "ما بعد فتح" بوصفه استفزازًا، ولا أتعامل معه كذلك بوصفه حقيقة مُنجزة. هو سؤال مشروع في لحظة وطنية مأزومة، لكنه يصبح مضلّلًا عندما يُطرح كأنه استنتاج نهائي لا كفرضية قابلة للنقاش. فتح لم تكن يومًا حزبًا عاديًا داخل دولة مستقرة، بل كانت - وما زالت - العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني في أكثر مراحله تعقيدًا وتشابكًا.
التاريخ لا يُدار بالعواطف، بل بالقدرة على قراءة التحولات. وفتح، منذ انطلاقتها، لم تُعرّف نفسها كأيديولوجيا مغلقة، بل كحركة تحرر وطني ذات براغماتية عالية. انتقلت من العمل الفدائي إلى الدبلوماسية، ومن الثورة إلى بناء مؤسسات، ومن الاشتباك المفتوح إلى إدارة واقع سياسي معقّد تحت الاحتلال. هذه المرونة لم تكن تذبذبًا، بل كانت تعبيرًا عن فهم عميق لطبيعة الصراع، ولأن المشروع الوطني ليس شعارًا بل عملية تراكمية تتطلب أدوات متغيرة.
لكن - وهنا الصراحة واجبة - المرونة التي صنعت قوة فتح يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تُضبط بمعايير مؤسسية واضحة. الخلل لم يكن يومًا في الفكرة الوطنية، بل في آليات الإدارة الداخلية، وفي قدرة الحركة على تجديد نخبها، وتوسيع قاعدة القرار، وإعادة تعريف علاقتها بالشارع الفلسطيني، خاصة الأجيال الشابة التي لم تعش زمن الانطلاقة ولا زمن الانتفاضة الأولى، بل وُلدت في زمن السلطة والانقسام والحصار.
القول إن فتح "استنفدت دورها" يتجاهل حقيقة موضوعية: لا يوجد في الساحة الفلسطينية اليوم جسم سياسي قادر على حمل عبء التمثيل الدولي، وإدارة المؤسسات، وضبط الإيقاع الداخلي، وبناء شبكة علاقات إقليمية ودولية، كما تفعل فتح. لكن هذا لا يعني أن الأمور بخير. فتح ليست في أزمة وجود، لكنها في أزمة إدارة وتجديد. وهذه أزمة يمكن علاجها إذا توفرت الإرادة السياسية.
هنا أختلف مع بعض القراءات التي تُقدّم نفسها بوصفها تحليلًا بنيويًا عميقًا، بينما هي في جوهرها توصيف إنشائي لا يقدم بديلًا عمليًا. من السهل الحديث عن "انسداد الثنائية الحاكمة"، ومن السهل استخدام مفاهيم كبيرة عن "الأفق الجديد"، لكن السؤال الحقيقي: ما هو الإطار المؤسسي البديل؟ من يقوده؟ بأي شرعية؟ وبأي شبكة علاقات؟ وبأي قدرة على حماية الناس سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا؟ النقد الذي لا يتحول إلى تصور عملي يبقى تمرينًا ذهنيًا، لا مشروعًا سياسيًا.
فتح ليست فوق النقد، بل تحتاجه. لكنها أيضًا ليست جسدًا منهكًا ينتظر إعلان وفاته. هي حركة تمر بلحظة مراجعة قسرية فرضتها التحولات الوطنية والإقليمية والدولية. عالم ما بعد الحرب على غزة ليس كعالم ما قبلها. النظام الدولي يتغير، موازين القوى تتحرك، والإقليم يعاد تشكيله. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُستدعى الهروب إلى خطاب "ما بعد"، بل يُستدعى إصلاح الداخل وتعزيز القدرة على المبادرة.
المؤتمر الثامن ليس حدثًا تنظيميًا عابرًا. هو اختبار وجودي لفتح: هل تستطيع أن تتحول من إدارة التوازنات إلى إنتاج رؤية؟ هل تستطيع أن تنتقل من منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة؟ هل تستطيع أن تفتح المجال أمام طاقات جديدة دون خوف من فقدان السيطرة؟ هنا يكمن التحدي الحقيقي.
وأقولها بوضوح: فتح أمامها اليوم فرصة تاريخية لإعادة الإمساك بزمام المبادرة. الفرصة ليست في الشعارات، بل في إعادة تعريف معايير القيادة، وفي ضخ دماء جديدة، وفي بناء عقد تنظيمي وأخلاقي يعيد الثقة بين الحركة وجمهورها. المسؤولية الكبرى تقع على عاتق أعضاء لجنتها المركزية الحاليين. إن اختاروا إدارة المؤتمر بعقلية التحكم بالمدخلات لضمان ذات المخرجات، فإنهم لن يحافظوا على الحركة، بل سيُضعفونها من الداخل. أما إذا تحلّوا بالشجاعة وسمحوا بمنافسة حقيقية وتجديد فعلي، فإن فتح ستثبت مرة أخرى أنها ليست حركة عابرة في التاريخ الفلسطيني، بل ركيزة قادرة على التكيف والتجدد.
فتح لا تحتاج إلى من يكتب مرثيتها، بل إلى من يشارك في إصلاحها. واللحظة لا تحتمل نصف حلول. إما تجديد حقيقي يعيد الثقة والفاعلية، أو استمرار إدارة الأزمة حتى تفرض الوقائع خيارات أكثر قسوة. القرار اليوم بأيدي قيادتها - والتاريخ لا ينتظر المترددين.