النجاح الإخباري - د. ياسر ابو بكر
قرأت للدكتور مازن صافي مقاله اللافت حول الصراحة والشفافية في بيئة العمل، وهو طرحٌ يستحق التقدير لما فيه من وعي بأهمية النقد البنّاء وربطه بالصحة النفسية وبأثره في تحسين الأداء المؤسسي. لقد نجح الكاتب في لفت الانتباه إلى إشكالية حقيقية تعيشها مؤسساتنا: الخلط بين الصراحة بوصفها قيمة مهنية، والقسوة بوصفها سلوكًا قد يهدد الروح المعنوية. وهذه نقطة قوة تحسب له، لأنها تضع النقاش في مساره الصحيح.

غير أن أهمية الفكرة تفرض علينا تطويرها خطوة إضافية، لأن الصراحة ليست مجرد أسلوب تواصلي مهذب، بل بنية ثقافية مؤسسية متكاملة. فالمشكلة في بيئات العمل العربية ليست فقط في طريقة تقديم الملاحظات، بل في غياب الأمان النفسي الذي يسمح بتداول الحقيقة دون خوف. الموظف لا يتراجع بسبب قسوة الكلمات فحسب، بل بسبب احتمالية العقوبة غير المعلنة التي قد تليها. وهنا يصبح السؤال أعمق: هل الشفافية قيمة أخلاقية أم نظام إداري محكوم بضوابط واضحة ؟

الصراحة المهنية تحتاج إلى تعريف إجرائي. هي ليست قول كل ما يخطر في البال، وليست أيضًا مجاملة دبلوماسية مفرطة. إنها ممارسة قائمة على ثلاثة عناصر: تحديد السلوك بدقة، بيان أثره الموضوعي، واقتراح بديل قابل للتطبيق. هذا التفكيك يحول النقد من حكم شخصي إلى أداة تطوير. وعندما تُبنى ثقافة المؤسسة على هذا النموذج، تتحول الصراحة من عبء عاطفي إلى استثمار إنتاجي.

كما أن الإشارة إلى البعد العصبي في المقال تفتح باباً مهماً، لكنه يحتاج إلى تأطير أعمق. صحيح أن الدماغ يتعامل مع النقد أحيانًا كتهديد، لكن هذا التهديد يتراجع كلما ارتفع مستوى الثقة التنظيمية. الدراسات في مجال "الأمان النفسي" تؤكد 

أن الأداء العالي يتحقق حين يُسمح بالخطأ ومناقشته دون خوف. فالمشكلة ليست في النقد، بل في البيئة التي يُستقبل فيها: بيئة آمنة تُحوّل النقد إلى تعلّم، وأخرى خائفة تُحوّله إلى صمت ومقاومة.

وهنا نصل إلى مفهوم الشفافية المؤسسية. الشفافية ليست شعارًا، بل منظومة تتضمن وضوح المعايير، عدالة التقييم، وإمكانية مساءلة القرار. ولا يمكن الحديث عن شفافية حقيقية دون بيانات قابلة للتحقق. حين تصبح القرارات مبنية على مؤشرات أداء واضحة، يتراجع التحيز التأكيدي ويُفسح المجال أمام الأفكار الأفضل، لا أمام الأصوات الأعلى.

الأهم من ذلك أن هذه الثقافة لا تخص بيئات العمل فقط، بل تمتد إلى التعليم والتعلم. في المدرسة والجامعة، يُربى الطلبة إما على ثقافة السؤال والنقد، أو على ثقافة الصمت والامتثال. فإذا أردنا مؤسسات شفافة مستقبلًا، فعلينا أن نبدأ ببناء متعلمين يمتلكون شجاعة التفكير النقدي واحترام الرأي المختلف. المعلم الذي يقبل التصويب، والطالب الذي يُشجع على المناقشة، يساهمان في صناعة جيل يرى في النقد أداة تطوير لا إهانة.

التعلم الفعّال يقوم على التغذية الراجعة الصادقة. وكل عملية تقييم بلا صراحة تفقد معناها التربوي. لكن الصراحة في التعليم، كما في الإدارة، تحتاج إلى بيئة آمنة تحترم الكرامة الإنسانية. الطالب الذي يُنتقد باحترام يتطور، أما الذي يُهزَم نفسيًا فينكمش. وهنا تتقاطع الإدارة مع التربية: الثقافة المؤسسية تبدأ في قاعة الدرس.

إن تطوير فكرة الدكتور مازن يقودنا إلى خلاصة واضحة: الصراحة ليست مهارة فردية فقط، بل سياسة تنظيمية. والشفافية ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل نظام حوكمة" ننتقل فيها من ثقافة تعتمد على النوايا الحسنة إلى نظام يستند إلى قواعد واضحة تضمن العدالة والشفافية والاستدامة". 

وحين نربط ذلك بالتعليم، ندرك أن بناء ثقافة نقدية صحية هو مشروع وطني طويل الأمد، يبدأ من المدرسة ويمتد إلى أعلى هرم إداري.

النجاح المستدام لا يتحقق بالمجاملات، ولا بالقسوة، بل ببيئة تقول الحقيقة وتحمي قائلها في آن واحد. هذه هي المعادلة التي ينبغي أن نعمل عليها إذا أردنا مؤسسات تتعلم، لا مؤسسات تخاف.