النجاح الإخباري - أنصار اطميزة

"بيتعاملوا معنا كأننا عبيد"، بهذه العبارة الموجزة، تلخص "فاطمة" (اسم مستعار)، حصيلة 14 عاماً من العمل كعاملة نظافة متعاقدة مع شركات توريد خدمات في مستشفيات فلسطينية متعددة. تشير فاطمة إلى ما تصفه بظروف عمل غير مهنية وغير إنسانية، حيث يتضمن العمل ساعات طويلة وجهداً شاقاً مقابل أجر تراه متدنياً لا يتناسب مع طبيعة العمل.

يكشف هذا التحقيق عن سلسلة من الانتهاكات والتجاوزات التي تتعرض لها عاملات وعمال النظافة لدى شركات توريد الخدمات في مستشفيات حكومية وخاصة بالضفة الغربية. انتهاكات تجعل من قانون العمل الفلسطيني (رقم 7 لسنة 2000) حبراً على ورق، في ظل رقابة ضعيفة وغير شاملة لهذا القطاع.

نموذج موحد لانتهاك القانون

تستكمل فاطمة روايتها، مشيرة إلى أنها عملت خلال 14 عاماً مع ثلاث شركات تنظيف وفي مستشفيات عدة (حكومية وخاصة)، وأن ظروف العمل كانت متطابقة تقريباً. وتشرح تفاصيل هذه الظروف: "كأنك عبد مش بني آدم. دوام طويل يتعدى الـ 8 ساعات والساعات الزيادة مش محسوبة. أيام عطل فش، إجازات مرضية فش، وإذا مرضت على حسابك تُخصم من الراتب، اجازات سنوية ما في".

كما أفادت فاطمة بأنها اضطرت للعمل لساعات متصلة تتجاوز الـ 24 ساعة في بعض الأحيان: "كنت مرات أداوم من 7 الصبح حتى 7 الصبح ثاني يوم". وتؤكد أن هذه الظروف كانت إجبارية على زملائها أيضاً "مجبرين على هذه الظروف وإلا فراح يفصلونا من الشغل". بالإضافة إلى ذلك، تُشير فاطمة إلى أنها لم تحصل على أي مستحقات أو أتعاب بعد إنهاء عملها.

لم تكن تجربة "فاطمة" حالة فردية معزولة، فقد وثق التحقيق خمس حالات أخرى، تشمل أربع عاملات وعاملاً واحداً من ذوي الإعاقة، أكدت شهاداتهم تكرار الانتهاكات ذاتها:

أجور متدنية: تراوحت الأجور الشهرية بين 1500 و 1700 شيقل، وهو أجر أقل من الحد الأدنى للأجور، خلافاً لقرار مجلس الوزراء.

ساعات عمل مفرطة: أفاد العمال بأنهم يضطرون للعمل لساعات تتجاوز الـ 45 ساعة أسبوعياً، وهو تجاوز يخالف بشكل مباشر المادة 68 من قانون العمل.

الحرمان من الحقوق والإجازات: أكدوا حرمانهم من الإجازات المرضية والعرضية والسنوية، ما يمثل مخالفة صريحة للمواد 72، 73، و 74 من القانون.

غياب السلامة ونهاية الخدمة: يعمل العمال في بيئة المستشفيات دون توفير شروط وأدوات السلامة الجسدية الأساسية، خلافاً لمتطلبات المادة 90، وحُرموا من مستحقات نهاية الخدمة والأتعاب، مخالفة للمادة 45.

انتهاكات تذهب أبعد من الأجور

تتقاطع قصة "عبلة" (اسم مستعار)، التي عملت مع ثلاث شركات تنظيف في مستشفيات برام الله والخليل ونابلس، مع تجربة فاطمة، لكنها تضيف جوانب أشد وطأة. تروي عبلة حادثة مرضها ومطالبتها بإجازة طبية، لتُفاجأ بخصم 800 شيقل من راتبها. وعندما واجهت رئيسها في الشركة، برر الخصم بشروط "مُتعاقد عليها مع المستشفى"، وهو ما نفاه مدير المستشفى لعبلة، مؤكداً "لا علاقة للمستشفى بتغيب عمال النظافة". بعد جدال طويل، استقالت عبلة بعد تعرضها لـ "النصب" من الشركة، كما تقول. وبحثت عن عمل في شركة أخرى لكن الظروف لم تختلف.  هذا عدا عن اضطرارها للعمل "شفتين" لساعات طويلة، فضلاً عن "المعاملة السيئة" من المشرفين وبعض الممرضين، التي تصفها بأنها "تحط من كرامتها وتشعرها بأن عامل التنظيف أقل من مستوى البشر"، وفق وصفها.

لكن أخطر ما تحدثت عنه عبلة هو غياب شروط الأمان الشخصي، الذي يترك العاملات عرضة للتحرش. فقد أشارت إلى أنه لم تتوفر للعاملات "أي غرفة خاصة لاستخدامها للراحة أو حتى لتغيير ملابسها"، وفي إحدى المستشفيات، كانت هي وزميلاتها تشتركن في غرفة تغيير ملابس مشتركة مع العمال الذكور "وبدون مفتاح". وأوضحت: "كنت أضطر لوضع كرسي خلف الباب حتى لا أتفاجأ بدخول أحد العمال خلال تغيير ملابسها".

مخاوف من الشكوى

يشير مركز ديمقراطية وحقوق العاملين إلى أن غالبية الشكاوى ترد من "عاملين سابقين تركوا عملهم"، خوفاً من الفصل.  وتوضح المحامية سماح فراخنة أن جزءاً كبيراً من الشكاوى لا يتم إيجاد حل لإنصاف العمال بسبب أن "الشركات ليس لها عنوان واضح، وفي بعض الأحيان تكون غير مسجلة". كما أشارت إلى أن الشركات تتعاقد مع العمال بصفة "موظفي مياومة (غير منتظم)" لحرمانهم من حقوقهم، رغم كونهم عمالاً منتظمين يعملون لسنوات. ونوهت فراخنة إلى آلية ضياع الأتعاب عند انتهاء عقود الشركات واستبدال العمال بالشركة الجديدة: "ما يضيع عليهم أتعابهم من الشركة السابقة وهكذا دواليك".

غياب وزارتي الصحة والعمل عن لجان العطاءات

بالتدقيق في جذر المشكلة، كشف التحقيق عن دور ثانوي لوزارة الصحة في عمليات الإحالة القطعية لشراء خدمات النظافة، إذ خلت بعض العطاءات (مثل القرار رقم 99 لسنة 2018) تماما من وجود مندوب عنها. وفي حالات أخرى (كالقرار رقم 2 لعام 2021)، وُجد اسم المندوب دون أن يظهر توقيعه. والأكثر أهمية، خلت لجان البت في هذه العطاءات من أي مندوبين عن وزارة العمل، الجهة المسؤولة عن مراقبة تطبيق قانون العمل.

للإطلاع على العطاءات 

عطاء رقم 1 اضغط هنا

عطاء رقم 2 اضغط هنا 

تناقض في أعداد العمال..  فجوة بين الواقع والورق

من خلال مراجعة قرار الإحالة القطعي ، تبيّن وجود تناقض بين أعداد العمال الفعلية والورقية. في أحد المستشفيات، كان العدد الرسمي 72 عاملاً، بينما الفعلي 53 عاملاً فقط. وفي مستشفى آخر، كان العدد الرسمي 23 عاملاً، بينما الفعلي 13 عاملاً بمن فيهم المسؤولون. هذا التباين يفسر سبب إجبار العمال على العمل في ورديات تمتد لأكثر من شفتين ونصف يومياً.

منح العطاءات بأسعار "مناسبة" للمستشفيات، يكون على حساب العمال والعاملات، وفق ما كشف عنه شخص خبير في المجال (فضل عدم الكشف عن اسمه)، إذ قال إن شركته قدمت مناقصة توريد خدمات تنظيف بقيمة 86 ألف شيكل، تغطي فيها رواتب العمال وفق الحد الأدنى وكافة حقوقهم. لكن المفاجأة كانت في إرساء المناقصة على شركة أخرى قدمت عرضاً بقيمة 44 ألف شيكل فقط، مؤكداً أنه "لا يمكن لهذه الشركة أن تجني أرباحا من هذه الصفقة إلا على حساب العمال وعددهم ورواتبهم وحقوقهم".

رد وزارة الصحة

أوضح عائد الوحيدي، القائم بأعمال مدير عام الشؤون الإدارية في وزارة الصحة، أن العطاءات تتم عبر لجنة ترأسها وزارة المالية بـ "التكلفة الأقل". وقال إن الوزارة تضع الالتزام بالحد الأدنى للأجور ضمن العقد، لكنها لا تتدخل بموضوع الرواتب، مؤكداً: "هذا دور وزارة العمل التي يجب أن تقوم بالرقابة... نحن نتابع الموضوع إذا وردت شكاوى من العمال، لكن العمال -حسب اعتقادي- غالباً يخافون من الشكوى". كما أشار إلى أن الوزارة تتابع دوام العمال عبر نظام البصمة وتخصم 65 شيقلاً على كل يوم غياب، نافياً أن يشمل دور الوزارة "متابعة رواتب العمال والتحكم بها".

رد وزارة العمل

من جهته، يقول فراس أبو حماد، مدير عام الإدارة العامة للسلامة والصحة الجسدية في وزارة العمل، إن عدد المفتشين (65 مفتشاً) غير كافٍ، وأن الأولوية تُعطى للقطاعات التي "تزيد فيها حالات الوفاة" كقطاع الإنشاءات.

بدوره، أشار أمجد مرعي، رئيس قسم التفتيش في الوزارة، إلى أن غالبية الشكاوى التي وردت للوزارة تتعلق "بساعات عمل طويلة تضطر العامل للنوم بالمستشفى أو مساجد قريبة"، لكنه أكد أنه "لم يرد للوزارة شكاوى تتعلق بالحد الأدنى للأجور"، خلافاً لما وثقه التحقيق. وكشف مرعي عن إصابة عامل بعدوى الكبد الوبائي بسبب وخز بإبرة نتيجة غياب شروط السلامة الجسدية.

ويعود أبو حماد ليضع مسؤولية أكبر على المستشفيات، مشيراً إلى أن غالبية عمال التنظيف "لا يعون مخاطر هذه المهنة خاصة أن جزءاً منهم يكون من ذوي الهمم أو ذوي مستوى تعليم متدنِ أو حتى قدراته العقلية متأخرة قليلاً، مما يجعلهم "يتعرضون للانتهاكات بشكل مضاعف".

حق الرد لشركات التنظيف

تواصلت معدة التحقيق مع ثلاث من شركات خدمات التنظيف، فلم ترد سوى واحدة عبر مديرها الذي قال إن "كافة العاملين يحصلون على الحد الأدنى للأجور"، وهو ما يتناقض مع ست حالات موثقة. وبرر المدير حرمان العمال من الإجازات بأنها من "شروط وزارة الصحة ولايوجد عطل أيام الجمعة". وقال إنه إذا تم منح العطلة للعامل، فيجب أن توفر الشركة البديل، وهذا يعني جلب عامل جديد. وأشار إلى أن الوزارة ترفض زيادة 10 بالمئة على قيمة العطاء لتغطية العمال البدلاء، ويشار إلى أن هذه الشركة هي إحدى الشركات التي وثق التحقيق نقصاً في عدد عمالها الفعليين عن العدد المتعاقد عليه.

وبينما يتواصل العمل الشاق لساعات مفرطة في أروقة المستشفيات، تبقى كلمات "فاطمة"، التي أمضت 14 عاماً من عمرها في هذا "الاستغلال"، هي التعبير الأكثر مرارة لظروف عمل هذه الفئة: "بيتعاملوا معنا كأننا عبيد".