النجاح الإخباري - تكشف القراءة المتقاطعة لما تنشره الصحافة العبرية في الأيام الأخيرة عن حالة توتر مكتوم في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، يتجاوز الخلافات التكتيكية ليطال جوهر المرحلة المقبلة في غزة والمنطقة. فبين ضغط أمريكي متصاعد للانتقال إلى ما تُسمّى «المرحلة الثانية»، وحذر إسرائيلي مشوب بالمماطلة، ترسم الصحف العبرية صورة لعلاقة مأزومة، عنوانها: اتفاقات تُوقّع، ثم تُفرغ من مضمونها عند لحظة التنفيذ.

مبعوث ترامب… لا ليستمع بل ليفحص

وأوردت صحيفة معاريف أن وصول المبعوث الأمريكي توم براك إلى إسرائيل لا يندرج في إطار الزيارات البروتوكولية المعتادة، بل يأتي «وساعة رملية بيده»، في إشارة إلى ضيق الوقت الذي تضعه واشنطن أمام الحكومة الإسرائيلية للانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية الخاصة بقطاع غزة.
وبحسب الصحيفة، فإن زيارة براك تُعد محطة تمهيدية للقاء مرتقب بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في ميامي، وتهدف أساسًا إلى اختبار مدى استعداد إسرائيل للتحرك سياسيًا وأمنيًا، لا إلى الاستماع لمواقفها.

وتربط معاريف الزيارة بالساحة اللبنانية، حيث تنقل عن مصادر إسرائيلية قولها إن واشنطن لم تعد ترى في الإدانات اللبنانية كافية، بل تنتظر خطوات أمنية ملموسة على الأرض، فيما تؤكد إسرائيل أنها لن تكتفي بالتصريحات طالما استمر التهديد عبر الحدود.

اتصالات سرية وضغوط علنية

وفي قراءة لأبرز ما جاء في موقع واللا بأن زيارة براك تأتي في سياق «اتصالات سرية مكثفة» تقودها واشنطن استعدادًا لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، رغم التوتر الواضح مع القدس.
وأشار الموقع إلى أن الولايات المتحدة بدأت فعليًا العمل مع دول الوساطة وشركاء الاتفاق على ترتيبات ما بعد المرحلة الأولى، حتى مع تأخر الإعلانات الرسمية.

ووفق واللا، يتمثل جوهر الخلاف في مسألتين: نزع سلاح غزة، وهو مطلب إسرائيلي واضح، وتركيبة «قوة الاستقرار الدولية» التي تدفع بها واشنطن، والتي ترى فيها تركيا عنصرًا فاعلًا، في مقابل رفض إسرائيلي حاد لأي دور تركي بسبب علاقتها بحركة حماس.

كما يكشف الموقع أن التخطيط العملي للقوة الدولية بلغ مراحل متقدمة، بدعم من القيادة المركزية الأمريكية وبمشاركة أكثر من 25 دولة، رغم الغموض المحيط بآليات نزع السلاح، ورفض حماس المعلن لأي نقاش حول ذلك دون قيام دولة فلسطينية.

«لعنة المرحلة الثانية»

أما الكاتب نحوم برنياع في يديعوت أحرونوت، فيذهب أبعد من توصيف الخلاف، معتبرًا أن العلاقة بين نتنياهو والاتفاقات تعاني مما سماه «لعنة المرحلة الثانية».
ويرى برنياع أن رئيس الحكومة الإسرائيلية اعتاد الموافقة على التفاهمات ثم الانسحاب منها قبيل تنفيذ مراحلها الحاسمة، كما حدث في صفقات تبادل سابقة واتفاقات سياسية متعددة.

ويشير الكاتب إلى أن عملية اغتيال القيادي في حماس رائد سعد لم تُقرأ في محيط ترامب كجزء من إدارة الصراع مع حماس، بل كرسالة سياسية موجهة إلى واشنطن نفسها، مفادها أن نتنياهو يرفض الإيقاع الأمريكي السريع نحو التسوية.

وبحسب برنياع، فإن ترامب يسعى إلى إنجازات سريعة تعزز مكانته الدولية، بينما يدفع نتنياهو باتجاه صراعات طويلة الأمد، ما ينذر بتصادم متزايد بين الطرفين، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في البلدين.

 قاعدة أمريكية في النقب

وفي زاوية مختلفة لكنها مكملة للمشهد، كشفت صحيفة ذا ماركر عن مساعٍ غير رسمية لإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في النقب، بتكلفة تُقدّر بمليارات الشواقل.
وأوضحت الصحيفة أن شركة أمريكية مقرّبة من محيط ترامب حاولت، عبر علاقات داخل وزارة شؤون الشتات، الترويج لمشاركتها في المشروع، وسط تضارب صلاحيات حكومية وغياب قرار سياسي نهائي بشأن موقع القاعدة أو الجهة المشرفة عليها.

وتبرز هذه المعطيات، وفق ذا ماركر، تداخل المصالح الاقتصادية مع القرارات الأمنية، ودور الوسطاء والسماسرة في مشاريع استراتيجية كبرى، في ظل حالة ضبابية سياسية.

تعكس الصحافة العبرية، بتعدد منابرها، صورة واضحة عن مأزق سياسي مركّب: واشنطن تدفع نحو مرحلة ثانية تُنهي الحرب بصيغة قابلة للتسويق دوليًا، فيما يناور نتنياهو لتأجيلها أو تفريغها من مضمونها الأمني والسياسي.
وبين ساعة براك الرملية و«لعنة المرحلة الثانية»، يبدو أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمستقبل غزة، بل لطبيعة العلاقة الإسرائيلية–الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب.