منال الزعبي - النجاح الإخباري - مع تدفق ثلة من المسؤولين الأميركيين الكبار إلى المنطقة، والتي تزامنت أيضا مع إقالة ما يسمى "رئيس مجلس الأمن القومي" لدولة الاحتلال تساحي هنغبي، تتحدث الصحافة العبرية عن انتقال مركز صنع القرار من تل أبيب إلى واشنطن فيما يتعلق بملف قطاع غزة.
وتجمع الصحافة العبرية على أنه في هذه المرحلة، يظهر بوضوح أن القرار الفعلي حول غزة لم يعد بيد تل أبيب وحدها، بل باتت واشنطن تفرض إيقاعها بشكل كامل، مع تحديد الأولويات والسياسات الإقليمية بما يخدم مصالحها وأمن إسرائيل في الوقت نفسه. وفق تقارير يديعوت أحرونوت وهآرتس ومعاريف، فإن إقالة هنغبي شكلت رمزية لفشل النظام الاستخباراتي، بينما تبرز الولايات المتحدة كوصي يفرض خطوطها على كل تحرك إسرائيلي.
وصاية كاملة تتجاوز التنسيق الأمني
أشارت صحيفة هآرتس إلى أن المقر الأمريكي في كريات غات أصبح مركزًا للتحكم المباشر بالملف الغزي، حيث تجاوز دوره مجرد التنسيق الأمني إلى اتخاذ قرارات استراتيجية تمس السيادة الإسرائيلية. فزيارات مبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وفق نيويورك تايمز، كانت تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الحكومة الإسرائيلية من اتخاذ أي خطوات أحادية قد تخل بالخطة الأمريكية.
كما يوضح التحليل الأمريكي، فإن الإدارة الأمريكية تراهن على استخدام اتفاق غزة كأداة لإعادة هندسة التوازن العسكري والسياسي في المنطقة، بما يشمل نزع سلاح حماس جزئيًا، ونشر قوة دولية، وضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع. كل ذلك يصب في سياق إستراتيجية "الإطار" الجديدة التي يقودها الأدميرال براد كوبر، والتي تركز على تقليل الاعتماد على القوات الأمريكية في المنطقة، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الأمريكية (نيويورك تايمز، 2025).
انقسام إسرائيلي حول حدود السيطرة الأمريكية
وفق معاريف وهآرتس، أثار التدخل الأمريكي المباشر توترات داخل الحكومة الإسرائيلية، إذ يشعر عدد من الوزراء والمسؤولين بأن السيادة الإسرائيلية على غزة تُستنزف لصالح واشنطن. إقالة هنغبي جاءت لتظهر الاحتقان الداخلي بعد فشل التقديرات الاستخباراتية، فيما يرفض بعض قادة الجيش تخلي إسرائيل عن المبادرة التكتيكية في القطاع.
الجانب الأمريكي يرى أن استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة يرهق الجيش الأمريكي ويكلف واشنطن سياسيًا واقتصاديًا، خصوصًا في ظل دعم مالي ضخم لإسرائيل بلغ بين 31 و33 مليار دولار منذ 7 أكتوبر 2023 وفق دراسة مشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون. الإدارة الأمريكية تسعى كذلك لإعادة التوازن مع القوى الدولية المنافسة، مثل الصين وروسيا، وتهيئة المنطقة لتقاسم الأعباء الدفاعية مع الحلفاء الإقليميين.
هندسة المشهد الفلسطيني
في ظل هذه التحولات، تبدو واشنطن وكأنها تعيد هندسة المشهد الفلسطيني بما يخدم أمن إسرائيل ويُفرغ أي حديث عن السيادة من مضمونه، في وقت لا يزال الفلسطينيون يتلمسون آثار الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي على الأرض. تحذر التحليلات الفلسطينية والإسرائيلية معًا من أن التوازن الجديد قد يفرض شروطًا صعبة على القطاع، ويزيد من هشاشة القدرة الفلسطينية على إدارة شؤونها الذاتية، ويضع كل خطوة فلسطينية تحت رقابة واشنطن المباشرة.