النجاح الإخباري - بينما يتقدم أسطول “صمود” ببطء نحو شواطئ قطاع غزة، تتكشف أبعاد التخبط الإسرائيلي في التعامل مع هذه المبادرة الدولية، وفق ترجمات عبرية تابعتها وحدة المتابعة في موقع “النجاح الإخباري”. الأسطول، الذي يضم نحو خمسين سفينة محملة بالمساعدات الإنسانية ونشطاء دوليين، يضع الاحتلال أمام تحديات سياسية وأمنية وإعلامية غير مسبوقة، تعكس هشاشة سرديته أمام مبادرات التضامن مع الفلسطينيين المحاصرين.
غرفة عمليات وقلق ميداني
بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، دخل جيش الاحتلال في حالة استنفار قصوى لمواجهة الأسطول، وشُكلت غرفة عمليات مشتركة تضم القوات البحرية، وجهاز “الشاباك”، ووزارة الخارجية، والشرطة، لمتابعة تحركات الأسطول. التحليلات العبرية تشير إلى أن القيادة العسكرية تخشى أي سيناريو قد يتطلب استخدام القوة، خصوصًا مع وجود قيود دولية وأوروبية على هامش المناورة.
وفق تقديرات الضباط، فإن الحفاظ على التفوق الأمني أمام الأسطول يتطلب حضورًا دائمًا على حدود القطاع وليس الاكتفاء بالمراقبة من خلف الأسوار، في إشارة إلى المخاوف من تكرار سيناريو السادس من أكتوبر أو أي مواجهة قد تُترك دون رد فعل مناسب.
قلق داخلي متزايد
تحليل نُشر في صحيفة هآرتس أشار إلى وجود قلق داخلي متزايد لدى الاحتلال من أن أي تصادم عنيف مع الأسطول قد يؤدي إلى انتقادات دولية واسعة النطاق. الأسطول يرافقه مراقبون من أوروبا وطائرات مسيرة تركية لتوثيق العمليات، ما يحدّ من قدرة الاحتلال على المناورة بحرية.
المستوى السياسي، وفق التقديرات العبرية، لم يعطِ أولوية للحوار الدبلوماسي، مكتفيًا بخطاب متشنج في الإعلام الداخلي، بينما توصي الأجهزة الأمنية بمواجهة التحديات عبر الوسائل السياسية قبل اللجوء للقوة العسكرية.
خطاب “التهديد الأمني” وتوظيف شماعة حماس
تلجأ وسائل الإعلام العبرية إلى الربط بين الأسطول وحركة حماس لتبرير الاستنفار والقمع المحتمل. يديعوت أحرونوت نشرت تقارير تزعم وجود دور تنظيمي لحماس، عبر تنظيمات مدنية في الخارج، في تحريك الأسطول. إلا أن المصادر العبرية نفسها تشير إلى أن هذه المزاعم تُوظف في توقيتات حساسة لتحقيق أهداف إعلامية داخلية، دون تقديم دلائل قانونية أو محاكمية.
الاحتلال بين القوة والارتباك
الأسطول يُعد الأكبر من نوعه منذ سنوات، ويقوده متطوعون من مختلف الجنسيات الأوروبية، ما يزيد من تعقيد مهمة الاحتلال. القوات البحرية الإسرائيلية اعترضت عدة سفن، بحسب بيان صادر عن الأسطول، لكنها لم تتمكن من إيقاف المسيرة الإنسانية بالكامل، حيث لا تزال عشرات السفن تتقدم نحو غزة.
الإجراءات الإسرائيلية تشمل اعتراض 18 سفينة على الأقل، وتطبيق مناورات تقييدية، بما في ذلك صعود عناصر البحرية على السفن، وفق تقارير الأسطول. إلا أن هذه الإجراءات أظهرت محدودية فعالية الاحتلال أمام الالتزام الدولي المتزايد بمرافقة الأسطول.
قرصنة في المياه الدولية… ومشهد تضامني لا يمكن قمعه
نصّ بيان الأسطول على أن الاعتراضات الإسرائيلية غير القانونية لم تثنهم عن الاستمرار في مهمتهم لكسر الحصار وفتح ممر إنساني، مشيرًا إلى استمرار ما لا يقل عن ثلاثين سفينة في الإبحار. أسماء السفن المتقدمة تشمل أداجيو، عهد التميمي، أمستردام، كابتن نيكوس، فير لايدي، مياميا، وغيرها، في حين تم اعتراض سفن مثل أدارا، فلوريدا، يولارا.
وفق البيان، تعرض بعض السفن لاصطدام متعمد أو قذف بخراطيم المياه، واعتُقل بعض المشاركين، لكن استمرار باقي الأسطول يوضح حجم التضامن الدولي مع غزة وصعوبة إسكات هذه المبادرات بالقوة العسكرية فقط.
مواقف دولية .. الاحتلال تحت المجهر
ردود الفعل الدولية كانت فورية ومتنوعة، بحسب البيان الصادر عن الأسطول:
-
مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي: اعتبرت الاعتقالات غير قانونية، وحملت الحكومات الغربية مسؤولية التواطؤ.
-
رئيس وزراء باكستان شهباز شريف: وصف الهجوم بأنه جبان، مطالبًا بالإفراج الفوري عن النشطاء.
-
الخارجية الفرنسية والسويسرية والتركية والإسبانية والأيرلندية والبلجيكية: دعت جميعها الاحتلال لضمان سلامة المشاركين والامتثال للقانون الدولي البحري.
-
عضو البرلمان الأوروبي بريندو بينيفاي: اعتبر الاعتداء عملًا غير قانوني وإجرامي.
-
الاتحاد الإيطالي العام للعمل: دعا لإضراب احتجاجي على القرصنة.
منظمات وشخصيات دولية: الأسطول اختبار قانوني وأخلاقي
تواجد شخصيات بارزة مثل الناشطة البيئية غريتا تونبرغ على متن الأسطول، إضافة إلى مراقبة إعلامية مكثفة من أوروبا، يحول مواجهة الاحتلال إلى اختبار حقيقي للمعايير القانونية والأخلاقية الدولية. هذا الحضور يحد من قدرة الاحتلال على التصرف بحرية، ويضعه أمام معضلة حماية صورته على المستوى الدولي دون التراجع عن سياساته في القطاع.
حركة حماس والجهاد الإسلامي وصفا الهجوم بأنه قرصنة بحرية وخرق للمواثيق الدولية والإنسانية، وحمّلا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة المشاركين.
الاحتلال في مأزق
أسطول “صمود” لم يكن مجرد محاولة لكسر الحصار، بل كشف عن هشاشة المنظومة الأمنية والسياسية للاحتلال، وأجبره على مواجهة المزيج بين الضغط الدولي والتحديات الداخلية. بينما يواصل الأسطول تقدمه، يبقى السؤال مطروحًا: كيف ستتعامل حكومة الاحتلال مع ضغط عالمي متزايد على خلفية انتهاكات الحصار، وهل ستستمر في سياسة الرد الأمني، أم ستضطر للقبول بالمسارات الدبلوماسية والإنسانية التي يفرضها التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني؟