خاص - النجاح - أربكت العمليات الأخيرة قوات الإحتلال في الضفة الغربية، رغم التعزيزات الأمنية التي تزعم أنها تقوم بها على مدار الوقت من أجل حماية مستوطنيها، وعناصر قواتها في المناطق المحتلة، والأراضي التي سُلبت من المواطنين بحجج أمنية واهية، فعملية نابلس والتي قتل فيها مستوطن، في التاسع من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، لتكلل بعملية أخرى في الخامس من شباط/فبراير، قتل فيها أيضا مستوطنًا آخرًا، وعملية الدهس في جنين، التي قتل فيها عنصرين من قوات الإحتلال وأصيب ثلاثة آخرين، تكشف عن عمق الاستياء الذي يعانيه الفلسطينيين في الضفة الغربية، نتيجة ممارسات الإحتلال التعسفية، واجراءات القمع الذي يتخذها بحقهم، والقتل على الحواجز بدم بارد، والاستمرار في سلب الأراضي، واقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية، فضلًا عن تهويد المدينة المقدسة، ومحاولات الاحتلال لتهجير اهلها من أجل اعلانها عاصمة لكيانهم المزعوم، إضافة إلى انسداد الأفق السياسي في ظل حكومة احتلال من اليمين المتطرف يقودها المتهم بقضايا الفساد، بنيامين نتنياهو، رغم أن اللافت في الأمر أن من يقوم بتنفيذ هذه العمليات أفراد بدوافع وطنية بعيدًا عن انتماءاتهم الحزبية، ودون تكليف مباشر وفق ما رشح من معلومات.

فما هي الأسباب التي دفعت الشباب الفلسطيني للخروج عن نهج المقاومة الشعبية، والقيام بعمليات عسكرية، وهل هي عمليات منظمة أم فردية قام بها أفراد دون تكليف رسمي من الفصيل الذين ينتمون إليه، ولماذا تمت العمليات العسكرية في مناطق تعج بالمستوطنات أو بالقرب من أراضي زراعية، صادرها جدار الفصل العنصري؟.

وفي تحليل سريع لعملية جنين الليلة، رأى الكاتب والمحلل السياسي، د. ناصر اليافاوي أن الأسباب والدوافع للقيام بعمليات عسكرية عديدة، أبرزها الممارسات التعسفية التي تقوم بها قوات الإحتلال بشكل يومي، بحق المواطنين في مدن وقرى الضفة الغربية، اضافة إلى الاقتحامات غير المبررة، والتصعيد ضد المواطنين العزل في المسيرات الشعبية الأسبوعية، وارتقاء عدد من الشهداء، ومواصلة الإغلاقات والعراقيل والقتل بدم بارد على الحواجز، وتقييد حركة المواطنين، والاستمرار في سلب الأراضي وضمها للمستوطنات، والشروع ببناء بؤر استيطانية جديدة، فضلًا عن مشهد جدار الفصل العنصري الذي يثير الرغبة في الانتقام من الإحتلال.

وقُتل عنصران من قوات الإحتلال، وأصيب ثلاثة آخرين بجراح في حادثة دهس قرب مستوطنة تقع غرب محافظة جنين شمال الضفة الغربية، وبحسب وسائل إعلام عبرية، فإن حالة المصابين وصفت بالخطيرة، وقال موقع 0404 العبري إن قوات الإحتلال اعتقلت السائق الفلسطيني الذي تسبب بالحادث وهو مصاب اصابة طفيفة، وعقب وزير الحرب الإسرائيلي افيغدور ليبرمان على الحادث بالقول: قبل دخول السبت تم إبلاغنا بحادثة خطيرة. وسنعمل على الحكم على المنفذ بالإعدام. وسنقوم بهدم منزله ومعاقبة كل من تعاون معه.

وسبق وأن قُتل مستوطن في عملية اطلاق نار على طريق نابلس، في التاسع من شهر كانون الثاني/يناير، الماضي، وشنت على إثرها قوات الإحتلال عملية عسكرية في نابلس وجنين، وأعلنت بعد أسابيع أن الخلية التي نفذت العملية في جنين، وحاصرت القرى الفلسطينية برقين والسيلة، التابعة لمحافظة جنين عدة مرات، وبعد شهر من المطارة، تمكنت من اغتيال الشهيد أحمد جرار في اليامون، الذي زعمت قوات الإحتلال أنه منفذ العملية فيما قتل مستوطن آخر في عملية أخرى على طريق مستوطنة ارئيل، المقامة على أراضي المستوطنين بالقرب من نابلس.

وأشار "اليافاوي" في تحليل خاص لـ"النجاح" إلى أن كل الأسباب التي ذُكرت آنفًا تُشكل دافعًا قويا ورغبة لدى المواطنين في الانتقام، خصوصًا في ظل انعدام الأفق السياسي، والوصول إلى طريق مسدود مع الإحتلال في المفاوضات وانهيار عملية السلام، وانحياز الموقف الأميركي إلى جانب حكومة الإحتلال، ولفت إلى أن المضايقات المستمرة دفعت الشباب بالتحول من فكرة المقاومة الشعبية إلى العودة إلى عمليات الدهس واطلاق النار، وغيرها من أشكال واساليب النضال ضد الإحتلال.

وأكد على أن ما حدث من عمليات سواءً في نابلس قبل أكثر من شهرين أو في جنين، الجمعة، يوصل رسالة للإحتلال مفادها أن الخيارات مفتوحة أمام الجميع في اختيار شكل النضال المناسب ووفق متطلبات المرحلة، خصوصًا في الوقت التي يزيد من اجراءاته التعسفية ضد المواطنين العزل، والاستمرار في تقسيم مدن الضفة الغربية وقراعا إلى "كانتونات".

ويمر الجدار بأراضي الضفة الغربية، مما يعني أنه سيؤثر على حياة 210,000 فلسطيني يسكنون 67 قرية ومدينة بالضفة الغربية، حيث أن 13 تجمعا سكانيا يسكنها 11,700 فلسطيني، سيجدون أنفسهم سجناء في المنطقة ما بين الخط الأخضر (الأراضي المحتلة عام48) والجدار، إضافة إلى وجود جدار مزدوج: أي جدار آخر يشكل عمقا للجدار العازل الفاصل سيخلق منطقة حزام أمني، الأمر الذي سيجعل 19 تجمعا سكانيا يسكنها 128,500 فلسطيني محاصرةً في مناطق وبؤر معزولة، فيما يؤدي إقامة الجدار إلى إعاقة حرية حركة الفلسطينيين وقدرتهم على الوصول إلى حقولهم أو الانتقال إلى القرى والمدن الفلسطينية الأخرى لتسويق بضائعهم ومنتجاتهم، إضافة إلى الفصل بين 36 تجمعا سكانياً شرق الجدار يسكنها 72,200 فلسطيني وبين حقولهم وأرضهم الزراعية التي تقع غرب الجدار.

وبينت التقديرات أن نحو مليون فلسطيني في الأراضي المحتلة، انتهك الجدار حقوقهم الأساسية، حيث إن الآلاف منهم سيضطرون إلى استصدار تصاريح خاصة من الاحتلال، للسماح لهم بمواصلة العيش والتنقل بين منازلهم من جهة، وأراضيهم من جهة ثانية.

واعتبر "اليافاوي"، أن التغيير في اشكال النضال، يعتبر بمثابة انذار ورسالة تحذير لحكومة الاحتلال التي تحاول حماية تشريعاتها والقوانين المجحفة بحق الفلسطينيين، من أجل توفير الحماية للمستوطنين الذين يستغلون قضايا الفساد المحيطة برئيس الحكومة للحصول على المزيد من مطالبهم وتوفير الحماية الكاملة لهم على حساب مؤسسات الكيان الأخرى.

وكشفت دراسة جديدة أن عدد المستوطنين في الضفة ارتفع من 111 ألفا إلى 750 ألفا بعد أكثر من عشر سنوات، وأشار إلى أن حكومة الإحتلال تخصص 42% من أراضي الضفة للتوسع الاستيطاني، من ضمنها 62% من أراضي مناطق "ج"، وبينت أن ما تقوم به حكومة الإحتلال هو تطبيق لـ"خطة يغآل ألون" التي اعتمدتها حكومة الإحتلال الإسرائيلية بعد عام 67، كوسيلة للتعامل مع الوجود الديمغرافي الفلسطيني الناجم عن صمود الناس، وتنص على خلق كم استيطاني كبير في الأغوار ومحيط القدس وتجمعان استيطانيان كبيران في منطقة نابلس وبيت لحم والخليل وتجزئة الضفة إلى ثلاثة أجزاء، ولفتت إلى أن الخطة طُبّقت بالتفصيل، وأن الأراضي التي تسيطر عليها المستوطنات أكبر من عدد المستوطنات بكثير، بينما أنشئ الجدار الفاصل على 85% من أراضي الضفة الغربية المحتلة.

وتطرق "اليافاوي" إلى الوعي النضالي في العمليات العسكرية، والتركيز فيها على المستوطنين أو عناصر قوات الإحتلال الذين يحمون المستوطنات والثكنات العسكرية في الضفة الغربية، وأوضح أن هذا النهج النضالي يدفع باتجاه شل حركة المستوطنين وهروب بعضهم خوفًا من القتل إلى مدن الداخل المحتلة، بحثًا عن الأمان، موضحًا أن يجب على الجميع تعزيز المقاومة الشعبية لتشكل اسنادًا للعمليات العسكرية، ضد المستوطنين، تمهيدًا لدحرهم، واجبارهم على اخلاء البؤر الاستيطانية كما حدث قبل ذلك مرتين في نابلس، حيث تمكنت المقاومة الشعبية من اجبار الاحتلال على اخلاء بؤرتين استيطانيتين، وعودة أراضيهما إلى ملاكها الأساسيين.

وهدَّد ما يعرف بمنسق شؤون الإحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الجنرال بولي موردخاي، بسحب وتجميد جميع تصاريح العمل داخل كيان الإحتلال من عائلة قبها، والتي يزعم الإحتلال أن ابنها هو من نفذ عملية الدهس قرب جنين، شمال الضفة الغربية، وأوضحت مصادر محلية أن عدد التصاريح الممنوحة لأفراد وتجار من عائلة قبها تبلغ، 67 تصريح عمل داخل الخط الأخضر، من بينها 26 تصريح تجاريّ، وأربع رخص عمل في المستوطنات بالضفة الغربية، فيما اقتحمت قوات كبيرة تابعة للاحتلال بلدة برطعة، التي ينحدر منها منفذ العملية، الاسير المحرر علاء راتب قبها، و قامت بمداهمة منزله و التحقيق مع أفراد أسرته، واعتقلت شقيقه عصام راتب عبد اللطيف قبها "24" عامًا، وأعلنت أنها منطقة عسكرية مغلقة.