النجاح - ذكرى شحادة-  تحرير "شيك" هو الخيار الأول الذي يتبادر الى ذهن أي مواطن أو مؤسسة عندما لا تتوفر لديهم السيولة الكافية بالتزامن مع الحاجة المُلحة،  هذا هوحال السوق الفلسطيني الذي اصبح يتداول الشيكات في سوقه بصورة أساسية مما أوصلنا اليوم لظاهرة الشيكات الراجعة.

حيث أظهرت بيانات سلطة النقد أن عدد الشيكات المقدمة للبنوك بلغ  5.4 ملايين شيك بقيمة 4.11 مليار دولار أميركي، في حين وصل عدد الشيكات المرتجعة نحو 537 ألف شيك بقيمة 813 مليوناً أي ما نسبته %6.11 من إجمالي عدد الشيكات المقدمة للمقاصة، وما نسبته %7.5 من إجمالي القيم وذلك حسب أحصاءات سلطة النقد الفلسطينية للعام الحالي.

وتُشير هذه الأعداد الى ظاهرة قد توصف بالأخطر على السوق الفلسطيني والتي أثارت قلق الأقتصاديين الفلسطينيين معتبرين أنه مؤشر لسوء الوضع الإقتصادي وأن هذه الارقام  أن دلت على شيء فإنها تدل على نقص في السيولة في السوق و التي تعكس حالة الركود والكساد.

اجراءات مشددة تفرضها سلطة النقد

وعن دور سلطة النقد الفلسطينية للحد من هذه الظاهرة تحدث مدير دائرة انضباط السوق  علي فرعون  حيث أكد أن سلطة النقد بدأت باتخاذ اجراءات مشددة في هذا الشأن وسيتم البدء بها خلال الايام القادمة والمتمثلة بإلغاء فترة الثلاث شهور المعتمدة لغاية التصنيف واعتماد توفر التسجيل القانوني للشركات والمنشاّت من جهات الاختصاص لغايات الموافقة على التسوية الرضائية وذلك ضمن ما يندرج في المرحلة الاولى  حيث يسمح للفرد بأجراء التسوية الريادية مرة في السنة وللشركات مرتين في السنة، أما المرحلة الثانية والتي من المتوقع تطبيقها قبل نهاية العام ستشمل مجموعة من الاجراءات  منها : خفض عدد الشيكات الخاضعة للتصنيف مما يعني تخفيض عدد التصنيفات التي تُمنح الشيكات ، وتحديد سقوف للشيكات الشخصية، والتشدد في منح الشيكات لذوي العلاقة من الدرجة الأولى للعملاء المصنفين على النظام .

مضيفاً:" أن إطلاق نظام المقاصة الألكترونية خلال هذا العام وبالتالي الغاء تواريخ استحقاق الشيكات سيساعد في ضبط وتنظيم عمليات تداول الشيكات وفقا للمعاير الدولية للحد من هذه الافة التي حرمت المؤسسات والمنشئات من السيولة الكافيىة واوقفت حركة الاقتصاد بشكل عام .

وقال فرعون: إن الشيكات الراجعة بسبب عدم وجود رصيد ظاهرة غير صحية إذ تؤدي إلى تباطؤ النمو لعدم تسديد الاموال في مواعيدها، ما ينتج عن إرباك في قائمة التدفقات النقدية المتوقعة للشركات وبتالي عدم مقدرتها على الايفاء بالتزاماتها مستقبلا

 

وحول الاسباب الرئيسية لهذه الظاهرة، يقول:"  ان إعتماد قطاع المنشاة الصغيرة بشكل مباشر على الشيكات المؤجلة لتمويل الإعمال  موضحاُ أن الشيكات الراجعة تركزت في فئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة لعدم كفاية الرصيد مما يدل ايضاً على أن المواطنين الفلسطينيين استنزفوا كل مدخراتهم، كتجار، ومواطنين مما اصبح واضحاَ ان كثير منهم أصبح يعتمد على الدين بما لا يغطيه قدراتهم المالية".

لافتاُ الى ان البعض يشتري بالشيك ويقوم بتسييله، بمعنى ان يبيع الشيك بأقل من قيمته، وهذا ساهم في ظهور فئة من مَن يعتمدون على المراباة في تعاملاتهم خاصة موظفي القطاع العام الذين بحاجة لسيولة.

 

وبالرغم من ان الأقتصاديين اكدوا على خطورة النسب والارقام في عدد الشيكات المرتجعة اذا ما قورنت بالدول المجاورة ذلك لأختلاف الظروف الأقتصادية والسياسية في السوق الفلسطيني ،الا أن فرعون يؤكد  على ان هذه النسب هي نسب طبيعية بالمقارنة مع بقية الدول المجاورة لانه يوجد فرق بين الشيك المرتجع والشيك المعاد لعدم كفاية الرصيد والقلق الان فقط من الشيك المعاد لعدم كفاية الرصيد وبالتالي النسبة طبيعية جدا.

 

وعن الاسباب الرئيسية المؤدية لهذه الظاهرة يقول الخبير الاقتصادي البروفيسور طارق الحاج :"  أن غياب الاستقرار السياسي وضع المستثمرين في ريبة المحافظة على الممتلكات مما دفعهم لأستسهال تداول الشيكات ، كما أن لثقافة التعويد  المنتشرة دور كبير في إزدياد هذه الظاهرة وتناقلها من شخص لاخر رغم توفر العملة إلا أن الأغلبية إعتاد على تداول الشيكات ".

 

وأضاف الحاج ان انتشار هذه الافة لن يقتصر تاثيرها على افراد او شركات فقط ، بل على الاقتصاد الفلسطي ككل فهو يعطل دوران النقود مما يؤثر على عدد كبير من القطاعات الاخرى وتعطل انسياب السلع بين المنتج والمستهلك ، ولا ننسى الضرر الذي يطال اصحاب المشاريع الصغيرة التي يؤدي نقص السيولة لديها لشل حركتها بشكل دائم عدى عن المشكلات الأجتماعية والتي غالبا ما تؤدي الى اللجوء الى المحاكم والحبس وفرض الغرامات لأسترداد الحقوق  .

القانون يعتبره جريمة

وفي الحديث حول الجانب القانوني للشيكات الراجعة قالت المحامية نعمة بني عودة : ( القانون يعتبر اصدار شيك بلا رصيد جريمة يستحق الحبس عليها ) ، حيث انه عند وصول شكوى للنيابة العامة عن شيك معاد يتم حبس صاحب الشيك وتغريمه مالم يتفق هو وصاحب الشكوى على تقسيط مبلغ قيمة الشك .

وأوضحت بني عودة وذلك حسب قانون التنفيذ رقم (23) لسنة 2005 أن صاحب الشيك الراجع يعاقب بغرامة لا تتجاوز خمسين دينارا حال تم اثبات ذلك ، بالإضافة الى تطبيق قانون العقوبات عند اللزوم، كما ويطبق على المدين غير الملتزم بالسداد وفق القانون ذاته بالاتي :

  • تبلغ دائرة التنفيذ المدين بإخطار يوجب عليه تسديد الدين او الاعتراض خلال سبع ايام من اصدار التبليغ .
  • في حال أُثبت تهرب المدين من سداد الدين يجوز للقاضي الامر بالقبض عالمدين وحبسه .
  • اذا كان المبلغ المحكوم به اكثر من 500 دينار يتم الحبس لمدة لا تزيد عن 91 يوم، اما اذا كان المبلغ اقل من ذلك يُحبس لمدة لا تتجاوز 21 يوم .

مؤكدة أن الهدف من وجود هذه القوانين ردع كل من يحاول الاخلال في النظام الاقتصادي مثل إصدار شيك بلا رصيد والذي يؤثر بشكل رئيس لفقد الثقة بين التجار حيث أن الأمانة والثقة المتداولة هي أهم وسيلة لاستمرارية عمل السوق بشكل عام وحفظ اموال وحقوق الناس .

في حين ان الاستاذ علي فرعون شدد على ضرورة عمل ابحاث ودراسات للنظر في قوانين جديدة اكثر ردعاً لمن يحاول التلاعب بموضوع الشيكات ، حيث ان القانون المعمول به فعلا يُحق الحبس على المدين ومن ثم يقوم بتقسيط المبلغ وبالتالي هذا لن يكون بمثابة حكم رادع ، حيث شدد بدوره على ضرورة اعادة النظر في حكم القضاء على هذا النوع من القضايا.

ويبقى السؤال الحقيقي المُثار هل ستجدي خطط سلطة النقد  ومراحل العلاج التي قدمتها في تغيير هذا الواقع المخيف وهل ستدعم هذه الخطط بقوانين حقيقية جديدة؟