نرمين نزال - النجاح - رئة فلسطين، ربما ننجح بالوصف ولكنها أصبحت الرئة التي شل قدرتها الاحتلال على التنفس في جدار يخنقها من كل الاتجاهات.

نعم، إنها قلقيلية الشامخة بأمجادها في الجزء الشمالي الغربي من الضفة الغربية، جنوب محافظة طولكرم، وشمال محافظة سلفيت، وجنوب غرب محافظة نابلس.

أطماع إسرائيلية

من هنا كانت البداية، فموقع محافظة قلقيلية الحدودي، واقتصادها المنتعش، وقربها من الساحل، وكثافتها السكانية، شكلت وجهة أطماع الاحتلال التوسعية.

ومع خططه الرامية للسيطرة على المحافظة، كان الاحتلال يخطط  منذ عشرات السنوات للسيطرة، فبدأها بتوسع استيطاني، وشق طرق التفافية، ومصادرة أراض، ليحكم سيطرته على الرئة الحيوية لفلسطين.

 ورويداً رويداً، بدأ الاحتلال بإقامة جدار الضم والفصل العنصري على حساب هذه الرئة، التي باتت تختنق بفعل ممارسات الاحتلال، الذي استغل بدء أحداث انتفاضة الأقصى عام 2002 ليطبق الخناق في عملية أطلق عليها "السور الواقي" وفقا لرؤيته الاستعمارية.

ليس هذا فحسب، بل تمادى الاحتلال وتوسعت أطماعه بالسيطرة ونهب الثروات الطبيعية، ناهيك عما تسبب به هذا الجدار من حصار وضيق، وأثر نفسي، وخسائر هائلة بالموارد الطبيعية، والقطاعات الزراعية والبيئية والمائية وغيرها الكثير.

وكانت قلقيلية النموذج الملهم لكثير من التقارير الدولية والإعلامية، وغيرها من المؤسسات الحقوقية لترصد ظلم وانتهاكات الاحتلال.

وأكد مدير دائرة التخطيط في وزارة الزراعة في مدينة قلقيلية المهندس تيسير بصلات لـ"النجاح الإخباري" أن حوالي4700 دونم التهمها جدار الفصل العنصري، وابتلع أيضا ما يقارب  36ألف دونم من الأراضي الزراعية، ويستهدف المخطط الاسرائيلي الأراضي الزراعية المروية، والأراضي التي تتمركز فيها الآبار الجوفية، مما أدى لعزل 19 بئراً.

وأوضح أنه مهما تم تعويض المزارعين فهو لا يسد ربع الخسائر الذي لحقت بهم، قائلاً:"تم تشكيل طواقم من قبل وزارة الزراعة لتقديم خدمات للمزارعين تشمل مستلزمات الانتاج من شبكات مياه، وأسمدة، وإمكانيات استصلاح للأراضي المصادرة".

ومن أشهر المحاصيل الذي تتميز بها قلقيلية "الجوافة" والتي تبلغ مساحة الاراضي المزروعة بهذا المحصول 3000 دونم، والأفوكادو 2000 دونم، إضافة لمحاصيل  المانجا، والقشطة، والخس والتي تزرع في مساحات محدودة، و تعود هذه المحاصيل بمردود اقتصادي عالي للتجار.

الكوكب المسلوب

وفي إطار تسليط الضوء أكثر، وصف مدير الغرفة التجارية في قلقيلية محمد قطقط، قلقيلية بـ "الكوكب المتكامل المسلوب" فبعدما كان يضم جميع مقومات الرفاهية، وسبل الحياة الكريمة، أصبح كوكباً مسلوباً، بل مخنوقاً بفعل الاحتلال وما أقدم عليه من إجراءات.

وقال قطقط في تصريح لـ"النجاح" : "إن جدار النهب ساهم في إغلاق ما يزيد عن مئة منشأة اقتصادية، منذ بدء عملية التخطيط والتنفيذ لبناء الجدار في عام 2002، حيث عزل 22 ألف دونم من أراضيها الخصبة المزروعة بشتى أنواع المزروعات؛ من الزيتون، والحمضيات، والفواكه، والخضراوات، سواء المكشوفة أو المحمية "بيوت بلاستيكية"، والحبوب والأراضي البعلية، والتي تشكل ما نسبته 33%.

وأكد أن هذه الإجراءات تعتبر ضمن خطة مدروسة من قبل إسرائيل لتقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية في المحافظة وتهميشها، حيث كانت قلقيلية محط تسوق إخواننا في الداخل لشراء مستلزماتهم، كون أسعارها زهيدة، إضافة لسهولة تنقل التجار وتصدير الموارد للداخل والخارج، دون وجود أي قيود تعيق حركة التجار.

فرض الواقع الصعب

واستعرض قطقط، الواقع الصعب الذي فرضه جدار الضم والتوسع العنصري، حيث أصبحت قلقيلية محاصرة كعنق الزجاجة بمخرج وحيد خنقها أكثر وأكثر، وحد من زوارها ومتسوقيها وروادها.

تجدر الإشارة إلى أن اقتصاد قلقيلية يعتمد بشكل أساسي على الزراعة، وذك لوفرة المياه العذبة، وتربتها الخصبة الوافرة، فالأرض هي المكنون الثابت للرجل الفلسطيني، ولكنها العنصر الأول المستهدف من إسرائيل.

وكان الاحتلال قد بدأ بإقامة الجدار على مرحلتين تمثلت الأولى: بإقامة 128 كيلومترا ً من الجدار امتد من قرية سالم شمالاً إلى حدود قلقيلية جنوباً، عدا عن المساحات الشاسعة الذي اقتطعها، فقد ابتلع نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية التي أصبحت داخل حدود الجدار وبالتالي لا يسمح  لأصحابها الوصول لها وزراعتها والاعتناء بها إلا بتصريح مخصص لذلك.

 محاولات التطفيش

وأردف قطقط: "يمارسون شتى أنواع التضييق بهدف تطفيش الأهالي، بحيث لا يسمح إلا لقرابة درجة أولى وأعداد معينة للدخول إلى الارض، ولساعات معينة، ولا يسمح لصاحب الأرض له بأن يمرر جميع أنواع المحاصيل للداخل أو الخارج"، مشيراً إلى أن هناك أساليب أخرى انتهجتها سلطات الاحتلال، منها إطلاق الخنازير على الأراضي لتدمير المحاصيل الزراعية، ما يلحق الضرر والخسائر بالمزارع، لصعوبة تقبلهم سياسة وتجبر الاحتلال، وتحويلهم من أيدي عاملة منتجة، لعاطلين عن العمل.

وفي سياق متصل مع الغرفة التجارية، فإن كل هذه المضايقات لم تقتصر على أهالي المدينة فقط، بل طالت أهلنا بالداخل لما يتعرضون له من مضايقات، حيث يتم تفتيشهم عند الدخول والخروج مع التدقيق على شتى ما يحملون من مشتريات.

ويقول أحد أبناء قلقيلية إياد الأقرع: " صادر الاحتلال ستة دونمات من أرضي التي باتت خلف الجدار، وقد عوضتتني بلدية قلقيلية بـ20 دينار، إلا أنه التعويض كان بسيطاً جداً بالنسبة لما ألحقه الاحتلال، فالضرر ليس مادي فقط، فهناك ضرر معنوي نهش قلبي فهذه أرض الآباء والأجداد".

وأضاف: "واليوم أحتاج لتصريح لدخول ارضي كي أزراعها  وأعتني بها، فهي مصدر رزقي، حتى أنه لا يُسمح لي اصطحاب العمال لمساعدتي في العمل بها.

كذلك الحال مع وليد الراعي وهو أحد المتضريين من جدار الفصل العنصري أيضاً، والذي قال: تعبي وشقاي راااح بيوم وليلة، فمنذ بدأ الغاصبين ببناء هذا الجدار اللعين وقد تحطم مستقبل عملي الذي لطالما عملت عليه لسنوات، فقد تم تدمير معرض المفروشات الخاص بي، وتجاوزت خسائري ملايين الشواقل، وللأسف ليس هناك أي جهة قامت بمساندتي وتعويض جزء من خسارتي".

من الجدير ذكره، أن مساحة محافظة قلقيلية تبلغ حوالي 166كم2، (2.7% من مساحة الأراضي الفلسطينية، 2.8% من مساحة الضفة الغربية.