نابلس - النجاح - تفاجأ الأهالي في قرية عرب الرشايدة شرق بيت لحم قبل أسبوع باقتحام مستوطنين لمبنى "مخفر" قديم، وقاموا بتركيب مولّدات وكشافات كهربائية، وجلب معدات لترميم المبنى، واحتلوه.

فواز رشايدة، رئيس مجلس قروي عرب الرشايدة، يقول: إن هذا المخفر يمثّل رمزًا وتاريخًا لشعبنا، وموقعه استراتيجي على تلة عالية تطل على آلاف الدونمات من المنطقة ذات الطابع الصحراوي.

"رفعنا قضية من خلال محامين لطرد المستوطنين من معلم تاريخي مهم لأهالي القرية، وسيطرة المستوطنين على هذا المكان مقدمة لبؤرة استيطانية وامتداد للسرطان الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي لن يسمح به أهالي القرية مهما حدث"، يؤكد رشايدة.

ويزحف غول الاستيطان باتجاه القرية لتوسيع مستوطنتي "معالي عاموس" و"ايبي هناحل" من الجهة الشمالية، أما من الجهة الغربية تتوسع مستوطنة "ميتساد" على حساب أراضي المواطنين، في حين لا يسمح للمواطنين بالتوسع في قريتهم إلا ضمن المنطقة المسماة "ب" والتي تقدّر مساحتها بـ 800 دونم من أصل 150 ألف دونم.

"القرية تتعرض لهجمة استيطانية شرسة كونها حلقة الوصل بين بيت لحم وصحراءها الممتدة حتى البحر الميت، كان آخرها مصادرة خمسة آلاف دونم قبل عام"، يوضح رشايدة.

ويناشد رشايدة كافة المؤسسات الرسمية والدولية للوقوف إلى جانب أهل القرية لإخراج المستوطنين منها.

ويضيق الاحتلال الخناق على المواطنين الذين يبلغ تعدادهم 3000 آلاف نسمة من خلال هدم آبار مياه و"بركسات" سكنية، ومصادرة مولدات الكهرباء التي يعتمد عليها الأهالي كون المنطقة تعتبر نائية وليس لديها بنية تحتية، إضافة إلى قيام الاحتلال بين الحين والآخر بمصادرة مواشي من الرعاة وفرض غرامات مالية باهظة عليهم.

وعلى مقربة من قرية عرب الرشايدة، تقع قرية كيسان التي يبلغ تعداد سكانها نحو 800 نسمة، واستولى الاستيطان على آلاف الدونمات من أراضيها.

"سلطات الاحتلال تتبع سياسة التوسع الاستيطاني البطيء والصامت في الضفة، خاصة في قرية كيسان، من خلال هدم المنازل وتوسيع المستوطنات، وتحويل مقبرة القرية الأثرية إلى منطقة تدريبات عسكرية ومنع الأهالي من ترميمها، ومنع الأهالي أيضًا من تشييد شارع يوصل للمقبرة ما يضطرهم لاستخدام سيارات جبلية للوصول إليها، إضافة إلى التضييق على السكان لإجبارهم على الرحيل بعد استنفادهم كافة مقومات الحياة"، يقول نائب رئيس مجلس قروي كيسان أحمد غزال.

ووفقًا لغزال، فإن ما حدث مع المواطن أيوب عبيات التي تقع أرضه بملاصقة مستوطنة "ايبي هناحل"، نموذج لما يتعرض له المواطنون من اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه المتكررة. واقتلع الاحتلال 360 شجرة زيتون من أرض المواطن عبيات، على الرغم من استصدار أوراق تثبت ملكيته الخاصة للأرض، وحاليًا يخوض حربًا قانونية في محاكم الاحتلال.

كما هدم الاحتلال مكان سكنه عدة مرات، وهو عبارة عن "بركس ألمنيوم"، ما اضطره للرحيل للسكن وعائلته في مدينة بيت لحم، لكنه لا يزال يعمل في أرضه يوميًا رغم اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه.

ويشير غزال، إلى أن "الكسارة التي بناها الاحتلال في الجهة الغربية من البلدة، أثرت بشكل كبير على الأراضي الرعوية التي يعتمد عليها الأهالي، فيما استنزفت المستوطنات وعمليات التجريف بقية الأراضي الجبلية، في الوقت الذي يواصل فيه مستوطنون عمليات الاستيلاء على التلال هناك، ما أدى إلى فقدان رعاة الأغنام كافة مقومات ثروتهم الحيوانية، ما دفعهم إلى الهجرة الداخلية".

ويضيف غزال: إن رعاة الأغنام هم الأكثر عرضة للاعتداءات باعتقالهم أو مصادرة مواشيهم.

كما يؤكد أن "جميع أراضي القرية رعوية، ويحرم سكانها البناء دون موافقة إسرائيلية مسبقة، وغالبًا لا يحصل المواطنون على رخص للبناء، وليس فيها أي عيادة صحية، وأوقف الاحتلال البناء في مدرسة القرية بعد الاستيلاء على مئات الدونمات من أراضيها، وتسليم إنذارات بوقف البناء، لكننا مستمرون في بنائها".

ويطالب غزال بتعزيز صمود أهالي القرية وتأمين كل مقومات الحياة الأساسية لهم، ودعم قطاعي التعليم والصحة ومحاربة الأمية والبطالة، كي يتمكنوا من الوقوف في وجه الاستيطان والمستوطنين.

وبحسب معهد الأبحاث التطبيقية (أريج)، منذ بداية العام 2020 أصدرت حكومة الاحتلال الاسرائيلي ممثلةً بوزارتها المختلفة 19 مخططًا استيطانيًا للبناء والتوسع في المستوطنات الإسرائيلية في محافظة بيت لحم، بما فيها تلك في القدس الشرقية المحتلة، استهدفت 11 مستوطنة اسرائيلية. وقد شملت هذه المخططات بناء 3979 وحدة استيطانية على مساحة 3738 دونما من الأراضي الفلسطينية.

ويوضح المعهد أن استهداف الأشجار الفلسطينية المثمرة وخصوصًا أشجار الزيتون وتدمير المحاصيل الزراعية كان من أشد الانتهاكات الإسرائيلية التي شهدتها محافظة بيت لحم سواء على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي أو قطعان المستوطنين الإسرائيليين القاطنين في المستوطنات الإسرائيلية القريبة من القرى الفلسطينية والأراضي الزراعية، فمنذ العام 2020 تم اقتلاع وتجريف ومصادرة وحرق ما يزيد عن 2345 شجرة مثمرة في الضفة الغربية المحتلة، 72% منها أشجار زيتون والنسبة المتبقية من كروم العنب، مؤكدًا أن لهذا الانتهاك أثر كبير وواضح على القطاع الزراعي وخصوصًا أن معظم الأشجار التي تم اقتلاعها هي من أشجار الزيتون والتي تشكّل مصدر دخل أساسي للعديد من العائلات الفلسطينية.

ومنذ بداية العام 2020 هدمت سلطات الاحتلال  115 منزلا ومنشأة فلسطينية في محافظة بيت لحم، وشردت قرابة الـ 130 فلسطيني من منازلهم، بالإضافة الى إلحاق الخسائر الفادحة لهم جراء هدم منشآتهم التجارية والزراعية والحيوانية. وكان من بين المنشآت الفلسطينية التي تم استهدافها بذريعة البناء غير المرخص، 34 منشأة سكنية.

وتشير الباحثة في مجال الاستيطان في معهد "أريج" جولييت بنورة إلى تزايد المخاوف من ارتفاع وتيرة اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربة المحتلة والتي أصبحت تشكّل كابوسًا يوميًا للفلسطينيين، خاصةً أن الاعتداءات هذه لم تقتصر على الأراضي والممتلكات فقط، بل بدأت تأخذ منحى آخر وذلك بارتكاب اعتداءات دموية على المدنيين الفلسطينيين بذريعة دفع الثمن والانتقام.

وتضيف: "مع غياب الردع الاسرائيلي لهجمات المستوطنين، ازدادت هذه الاعتداءات عامًا بعد عام الأمر الذي أصبح يبعث على القلق من أن تسيطر مجموعات المستوطنين المتطرفة على زمام الأمور، وبالتالي تضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل فرض المزيد من الوقائع المرة على الأرض الفلسطينية".