النجاح الإخباري - بقلم : د بسام سعيد 
أكاديمي وباحث تنموي 
هل جربت يومًا أن تركب حمارًا أو عربة كارو كوسيلة للتنقل في القرن الحادي والعشرين  ؟ 
في زمن الحرب، لا شيء يدعو إلى الاستغراب. في البداية تتردد، تستنكر، ربما تشعر بشيء من الخجل، لكن سرعان ما تسأل نفسك: وأين المفر؟ هل ستمشي على قدميك إن رفضت؟قد تندم إن لم تستقل الكارو التي تجرها الخيل أو الحمير ، أو حتى اعتلاء ظهر توكتوك ،  فهي لم  تعد مجرد أدوات للحركة، بل مرايا تعكس حجم الكارثة والواقع .
عربات الكارو اليوم باتت تنافس السيارات. يقودها صبية غلمان، صغار السن، لا يعرفون من الدنيا إلا “الشيكل”. وجوههم  عابسه ، لوحتها شمس غزة الحارقة في الصيف ،  نظراتهم قاسية؛ على الحمار أو الحصان الذي يقودونه، وعلى الراكب الذي يعتلي العربة.
في البداية كنت أتردد وأستغرب المشهد، لكن بعدما رأيت الجميع يعتلي العربة _ نساء أنيقات، أطفالًا، رجالًا، شبابًا، أطباء، موظفين _ أدركت أن الأمر أصبح عاديًا. لا استهجان، ولا تعجب، ولا ما يحزنون. صار المشهد جزءًا من  الواقع اليومي، و من المألوف القاسي.
تتحرك العربة، ويقودها الفتى واقفًا ليفسح المجال للراكب كي يجلس، وينادي على المارة: محطة رمزون… شاليهات.. الحكر .. المعسكر  وهكذا .
وفي وسط الزحام يعلو صوته أكثر وينادى الفتى  قائد العربة  على المارة ليحذرهم : وسع ظهرك… ظهرك يا حاج .. اوعى ياخال !
ويرافقه طفل آخر، أصغر سنًا، يجمع الغلّة، يؤدي دور “الكمسري” كما يحب إخوتنا المصريون تسميته. الجلوس  فوق الكارو ليس آمن دائما ، عليك أن تحذر جيدًا وتختار مكانًا آمنًا للجلوس؛ فمرور كارو بجانب كارو آخر قد يعلّق ساقك بين أخشاب العربتين، وهنا تقع الكارثة.
رأيت هذا يحدث أمامي أكثر من مرة، وانتهى الأمر بنقل المصابين إلى المستشفى  على ظهر الكارو ذاته.
وأحيانًا أخرى  تتصادم عربات الكارو في الطرقات الضيقة، فيُغلق الطريق، وينشب شجار بين الفتية السائقين. ظاهر الخلاف صعوبة الطريق وضيق المساحة، لكن باطنه كثيرًا ما يكون الغيرة والمنافسة، أو كما يُقال: “عدوك ابن كارك… أو مهنتك”.  
 تتعالى الأصوات، تتشابك الأيدي، ويتدخل الركاب لفض الاشتباك، لا حبًا في الصلح، بل رغبةً في فتح الطريق. وبعد دقائق، تُفك الأزمة، تتحرك العربات من جديد، وكأن شيئًا لم يكن… وهكذا يسير الحال. !
 أحيانًا، أنظر إلى الوجوه التي تستقل العربة، فألاحظ مزيجًا من اللامبالاة والشرود.  وفى الخلفية يتشكل المشهد السمعى للمدينة : لاصوت يعلو إلا صوت الزنّانة، ذلك الطائر الفولاذي الذى لا يغادر  السماء، أو وقع أقدام الحمير والخيل على إسفلت الطريق، وصوت سائق العربة وهو يحث حماره أو حصانه على الحركة بلغة لا يفهمها سواهما، وإن لزم الأمر استخدم الكرباج.
هذه مهنة ازدادت وانتشرت بشكل عشوائي، بسبب انعدام السولار والبنزين. ورغم ذلك، ما زالت بعض السيارات القديمة تسير، مستخدمة “السولار المصنّع” محليًا في غزة، والناتج عن حرق البلاستيك، أو خليط زيت الطهي المعروف محليًا بـ“السيريج” مع السولار كوقود موفّر.
رائحته كريهة، خانقة، لكن لا أحد يعترض… فهذا أيضًا من قوانين الواقع.
وفي العام الثاني من الحرب، ظهر “اختراع” جديد: عربات أو قاطرات تُجرّ بسيارات متهالكة، تُحمَّل بأكبر عدد ممكن من الركاب. تشبه تلك العربات التي تُحشر فيها الدواب، لكن في هذا الواقع، لا أحد يبالي المهم أن تجد لك مكانًا وسط هذا الزحام البشري والقادم من الشمال والجنوب ومن غزة  الى المدينه الصغيرة دير البلح والمحشور أهلها والجميع  في شريط ساحلى ضيق يختنق من كثرة أعداد البشر النازحين والذين ضاقت. بهم السبل .
لا تتعجب إن جلست في السيارة فى  المقعد الأمامي بجوار السائق، ثم جلس راكب آخر بجانبك.
ولا تتعجب إن تُرك باب القيادة مفتوحًا ليرتاح من يجلس بجانب  السائق من الناحية الاخري . ولا تتفاجأ  ايضا ان انفصلت القاطرة عن السيارة بشكل مفاجئ وهى تسير !
ولا تستغرب كذلك  إن كانت مؤخرة السيارة مفتوحة، ويجلس فيها الزبائن بكل أريحية. ولا تتفاجأ أيضًا إن سألك السائق قبل أن تصعد الى السيارة : معك فِكّة؟
هذا هو واقع النقل والتنقّل في غزة.
واقع لا تُقاس فيه الوسائل بحداثتها، بل بقدرتها على إيصالك حيًّا.
هنا، لا تركب العربة لأنك تريد، بل لأن الحياة _ في زمن الحرب _ لا تترك لك خيارًا آخر