النجاح الإخباري - كتب د. ياسر أبوبكر :
في قاعة بلدية نابلس، وبين جدرانٍ تحتفظ برائحة التاريخ وصدى خطوات الروّاد الأوائل، شهدتُ اليوم لحظةً تُعيدُ الاعتبارَ لمعنى العمل البلدي والشراكة الوطنية. كنتُ في حفل توقيع الاتفاقية بين نقابة العاملين والمجلس البلدي، وشعرتُ أن هذا المشهد ليس مجرد توقيع إداريّ، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ بلدية نابلس العريق الذي بدأ منذ عام 1869، حين تأسست أولى البلديات في بلاد الشام لتخدم الناس لا لتتسلط عليهم، ولتكون بيتًا عامًا للمدينة لا واجهةً للسلطة.
منذ نشأتها في العهد العثماني، مرورًا بفترات الانتداب البريطاني ثم الإدارة الأردنية فالاحتلال وما تلاه من حكم وطني فلسطيني، بقيت بلدية نابلس منارة مدنية وإدارية وثقافية، قادت مشاريع المياه والكهرباء، وأنشأت المدارس والمكتبات والمستشفيات، وأسست بيئةً حضرية جعلت المدينة تُلقَّب بـ"دمشق الصغرى" و"عروس الجبلين".
لم تكن البلدية مجرد مؤسسة خدمات، بل كانت ذاكرة المدينة وضميرها، تجمع بين الإرث الإداري والتاريخ الوطني، وبين روح التطور والانفتاح على المستقبل.
واليوم، مع توقيع الاتفاقية بين النقابة والمجلس البلدي، يتجدد ذلك الإرث في صورةٍ معاصرة تُعبّر عن احترام العاملين وتقدير دورهم في بناء المدينة. فقد تضمّنت الاتفاقية رفع علاوة طبيعة العمل بنسبة 35%، وتثبيت حقوق العاملين بعقودٍ دائمة، واعتماد تقييمٍ مهنيٍّ سنويٍّ يعزز مبدأ العدالة والشفافية. كما نصّت على تشكيل لجنةٍ خاصةٍ لمراجعة ملفات الموظفين وإنصاف من تعرّضوا للظلم، ورفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع حجم الجهد والمسؤولية. إنها ليست مجرد بنودٍ مالية، بل خطوة إصلاحية تعيد التوازن بين العامل والمؤسسة، بين الحقوق والواجبات.
في البيان الصادر عن النقابة، جاء التأكيد على أن هذه الاتفاقية تمثّل «بداية مرحلة جديدة من الشراكة والمسؤولية»، وأنها تهدف إلى «تحقيق الاستقرار الوظيفي وتعزيز الأداء ورفع سوية الخدمة العامة». وقد عبّر البيان بلغةٍ راقيةٍ عن امتنان العاملين للمجلس البلدي وللجهات التي أسهمت في الوصول إلى هذا التفاهم، مؤكّدًا أن نابلس كانت وستظل نموذجًا في العمل البلدي المنظم والمستنير.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أستطيع إلا أن أعبّر عن شعوري بالفخر بأنني كنت جزءًا من هذه اللحظة التي تُمثّل روح نابلس الحقيقية: روح الانتماء، العمل، والإصرار على الكرامة الإنسانية.
هذه المدينة التي علّمتنا أن الخدمة العامة شرف، وأن العطاء لا يُقاس بالراتب بل بالأثر، تُثبت اليوم من جديد أن البلديات ليست مؤسسات بيروقراطية، بل مؤسسات وطنية نابضة بالحياة.
نابلس... مدينةٌ تعانق التاريخ وتبني المستقبل بيدَي أبنائها.
وعمال بلديتها هم نبضها الدائم... الذين لا يكلّون ولا يملّون من خدمة الناس، لأنهم ببساطة يحبّون مدينتهم كما يحبّ الإنسان نفسه.