النجاح الإخباري - كتب ياسر أبو بكر في تحليل وتعليق على مقال أخيه بكر يقول:
بكر أبوبكر… كيف نصنع إنسانًا منتجًا ومبدعًا؟ قراءة أكاديمية في فكر تربوي عصري يصلح لكل بيئة عمل وتعليم
يكتب المفكر والمدرّب الفلسطيني بكر أبوبكر عن موضوعٍ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في العمق يلامس جوهر معضلتنا العربية في التعليم والعمل: لماذا لا نكون أكثر إنتاجًا وإبداعًا؟
من خلال مقاله الموسوم «كيف تكون أكثر إنتاجية وإبداعًا في حياتك وعملك؟» يقدّم أبوبكر رؤية فكرية تنطلق من تجربته الطويلة في ميادين الثقافة والسياسة والتنمية التنظيمية، ليعيد تعريف الإنتاجية لا ككمٍّ من العمل، بل كوعيٍ متوازن بين الفكر والعاطفة والروح.
يقول أبوبكر في مستهل مقاله إنه وزملاءه كتبوا آلاف النصوص وأداروا مئات الورشات والندوات، وفي خضم هذه التجربة اكتشفوا أن العلاقة بين المدرّب والمتدرّب ليست علاقة “أستاذ وتلميذ”، بل علاقة تفاعل وتبادل. هنا يلتقي فكره مع نظريات التعلم البنائي والتعلم التحويلي في التربية الحديثة، التي ترى أن المتعلم لا يكتسب المعرفة بالتلقين، بل يبنيها عبر الحوار والمشاركة.
ثم يضيف في مقطع آخر:
> “تعلّمنا الاهتمام بالمشاركين، وتتبع أفكارهم، وعدم كبح تدفقها، وتعلّمنا حسن الاستماع دون تخطئةٍ فجّة.”
بهذا يضع أبوبكر قاعدة إنسانية للتعليم: أن تصغي قبل أن تُعلّم، وأن تفهم قبل أن تُوجّه. وهذه القاعدة غابت عن كثير من مؤسساتنا التعليمية التي اختزلت التعلم في حفظٍ واستظهار، فخسرت روح المشاركة والنقد.
ويؤكد الكاتب أن الرغبة الداخلية هي أساس كل تعلم حقيقي، مستندًا – دون أن يذكرها صراحة – إلى مبادئ التحفيز الذاتي (Self-Determination Theory)، حين يقول:
> “إن الرغبة المسبقة للمتدرب تمهد لك السبيل لعملية البِذار.”
وهذا تشبيه بليغ يعيد إلى الأذهان أن العقل البشري لا يُروى إلا بماء الإرادة، وأن كل محاولة لفرض التعلم قسرًا تُنتج عقلًا خامدًا لا مفكرًا.
لكن أبوبكر لا يتوقف عند الجانب النفسي، بل ينتقل بخفة فكرية إلى العلم العصبي الحديث، ليشرح كيف تتحكم النواقل الكيميائية (الدوبامين، السيروتونين، النورأدرينالين، الأستيل كولين) في حالاتنا المزاجية وقدرتنا على التركيز والإبداع.
ويشير إلى أن التجربة الإنسانية سبقت العلم أحيانًا؛ فالمعلم الناجح أو المتحدث الملهم كان يُفَعِّل هذه المسارات العصبية بالتحفيز والمرح والانضباط، حتى قبل أن يعرف اسمها العلمي. وهذا الوعي بالدماغ كمنظومة تعلم يؤكد أن أبوبكر يكتب من منظور تربوي علمي معاصر، لا من موقع المواعظ أو الخطابة.
وفي عرضه لمعادلة الباحثة "فريدريك فابريتيوس" التي تقوم على التوازن بين المرح، الخوف، والتركيز، يربط أبوبكر بين الإبداع والاتزان النفسي. فالتعلم المثمر - كما يرى - لا يقوم على التسلية المطلقة ولا على التوتر المفرط، بل على مزيجٍ من المتعة والانضباط، أي الحالة التي تجعل الدماغ في أعلى درجات انتباهه واستقباله للمعرفة.
ويختم الكاتب مقاله بنفَسٍ قرآني جميل، مستشهدًا بآية الميزان من سورة الرحمن:
> "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ..."
ليقول إن التوازن قيمة وجودية قبل أن تكون تعليمية، وإن العقل البشري لا ينتج بصدق إلا حين ينسجم مع القسط والاعتدال في كل شيء. هنا يندمج العلم بالدين في رؤية واحدة ترى في الإنسان مركز الكون لا ترسه.
من وجهة نظر أكاديمية، ما يقدّمه بكر أبوبكر في هذا النص ليس مجرد “نصائح في التنمية البشرية”، بل تصور متكامل للتعلم كفعل إنساني حرّ يجمع بين التجربة والبحث العلمي والإلهام الروحي. إنه يذكّرنا بأن الإبداع لا يُولد في قاعات مغلقة ولا في أنظمة جامدة، بل في لحظة توازن بين المعرفة والفضول، بين الفكر والإحساس، بين الصرامة والمتعة.
خلاصة القول: من يقرأ بكر أبوبكر في هذا المقال يدرك أنه لا يكتب عن “زيادة الإنتاجية” بل عن تربية الإنسان المنتج والمبدع، الإنسان الذي يعرف كيف يتعلّم، وكيف يوازن بين عقله وضميره، بين علمه وإنسانيته.
ولعل الرسالة الأعمق التي يتركها لنا هي أن الإبداع ليس مهارة تقنية، بل فضيلة وجودية تبدأ من وعي الذات وتنتهي بخدمة الآخرين.