نابلس - النجاح الإخباري - بقلم: م.غازي مرتجى، مدير مركز الإعلام في جامعة النجاح

قطار ترمب انطلق ولن يتوقف.

رغم اعتقاد البعض بتقلب مواقفه، وبناء مخططاتهم على أن إسرائيل لا تستطيع الدخول في حرب طويلة، فإن ترمب يعرف ما يريد، وهو الوحيد الثابت على النتيجة مع اختلاف طريقة التنفيذ بين التهديد والبراغماتية. بدل الوصول السريع للنتائج، اختار الوصول البطيء… وهكذا.

تتصاعد اليوم في الدوائر الأميركية، ضمن ما يمكن تسميته “الدولة العميقة والجديدة”، خارطة فكرية استراتيجية تهدف بحسب هذا التصور، إلى إنهاء نظام سايكس - بيكو بطريقة "محترمة""، ومن ضمن هذه التصورات مشروع يحمل اسمًا رمزيًا: “ريفييرا غزة”. الفكرة ليست مجرّد انجذاب لموقع جميل واستراتيجي، بل ترتبط بمخطط أميركي أوسع يتجاوز قواعد التواجد التقليدية. بالتحايل على عدم وجود قاعدة أميركية في الجانب المصري، يمكن تحويل شريط ساحلي صغير إلى مقرّ استخباراتي ولوجيستي قريب، ينافس قواعد تقليدية بميزة التكلفة والقدرة على تحقيق دخل استثماري بعيد المدى بدلاً من تكبّد ضرورات حماية باهظة كما في بعض القواعد الأخرى.

غزة، المحاطة بإسرائيل شمالًا ومصر جنوبًا والبحر الأبيض المتوسط غربًا، وملاصقة لمساحات جغرافية وتاريخية إقليمية من فلسطين التاريخية إلى الأردن والسعودية، هي بقعة صغيرة لكنها قريبة من محركات إقليمية كبيرة لا يهمها سوى الاستقرار الذي أفقدته غزة للمنطقة. القراءة السطحية قد ترى غزة ملفًا أمنيًا —وهو كذلك— لكن القراءة الاستراتيجية تكشفها كمحطة قيادة وتحكّم في عمق المنطقة: محطة استخباراتية ترصد المتوسط وسيناء والبحر الأحمر، ومختبر سياسي لتجريب صيغ «الكيانات الصغيرة الآمنة اقتصاديًا والمضبوطة استخبارياً».

ليس الغاز وحده ذا أهمية؛ فالموقع ذاته يمكن أن يشكل نموذجًا لمنطقة حرة على غرار دبي، أو ممرًا بديلًا للكابلات بالشراكة مع دول الجوار. هذه التفاصيل الاستراتيجية تُنتج منطقيًا بعد اليوم الأول للاستقرار وتغيير الديموغرافيا. وجود مجموعة كبيرة من «الفهمانين/التقنيين» المحليين يشكل إضافة منطقية لأي مشاريع مستقبلية.

فما القادم؟ التوقُّع هنا أن تبدأ عملية إعادة الإعمار —تدريجيًا وفي مناطق محددة ومحصورة—، وأُرجّح أن يكون البدء في رفح وبيت لاهيا. وأذهب أبعد من ذلك: المسمّى «إعادة إعمار» قد يتلاشى ليحلّ محله مصطلح «بناء غزة»؛ لأن المخططات، وفق هذه القراءة، لا تبني على ما كان، بل على أرض يُعاد تشكيلها كما لو أنها لم تُسكن قط.

حركة حماس، بحسب معلوماتي، التقطت اللحظة ولو متأخرًا. هناك محركات داخل ميدان الحركة لا يمكن تجاهلها؛ فقد تغاضى العالم عن وجود «٤٠ ألف مقاتل أجنبي» بخلفيات متشددة من أجل ركوب قطار ترمب. أعتقد أن حماس تقف الآن على باب القطار، تنتظر إشارة الدخول باسمٍ جديد أو تعريف آخر. هذا القرار قد يكون حميدًا وحكيمًا في حالة واحدة: إن استمرَّ نفَس حماس الإيجابي كما ظهر في القاهرة، وصدقت في التفاصيل، ولم تتشدّد فتح في ما هو متاح، لأن المستهدف هو الكل، والانحناء للموج مجتمعين أفضل كثيرًا من انحناء كل جهة منفردة. والواقع أن الجميع انحنى وسينحني.

مصر تفهم جيدًا ما يجري، والمغزى الأميركي لذلك تدخلت بمعدات ثقيلة في غزة —عدا رفح— لتكون هي الحائزة على الأرض وتعمل على السيطرة على المشهد، خلافًا للرغبة الأميركية التي تريد إشراك شركاتها. وحتى إسرائيل تعمل —بحسب هذا الطرح— على النفاذ إلى المشروعات بالباطن. لذلك، ستكون عمليات الإعمار في المناطق التي تحت السيطرة الإسرائيلية؛ فلا تتوقعوا انسحابًا قريبًا، وسيُستخدم مصطلح «الخط الأصفر» كثيرًا كما استُخدم مصطلحا «الخط الأخضر» و«أكتوبر» سابقًا.

سايكس ـ بيكو في طريقها إلى الانتهاء —هذه إحدى الحجج التي تفسر اعتراف بعض الدول بفكرة الدولة الفلسطينية ومحاولات كبح جماح خطة ترمب بتهديد إسرائيل. نقطة أخيرة: إن نجحت الخطة بحذافيرها فإنها تقوّض فكرة وجود إسرائيل في المنطقة كمبرَّر للغرب وأميركا، ولذلك ستعمل إسرائيل على إفشال المخطط بكل الطرق، وترمب يعلم ذلك جيدًا؛ لذا من المتوقع أن يدخل في معترك سياسي مع نتنياهو… وقريبًا جدًا، وفق هذه القراءة.

ماذا عن مستقبل الضفة؟

على مدار السنوات الماضية حاولت إسرائيل فصل غزة عن الضفة —ليس فقط جغرافيًا بل اجتماعيًا وسياسيًا—، وهذا أحد أسباب المطالبة بالانفصال. لكن إذا نجحت الولايات المتحدة في تسلم زمام المنطقة (وجزءٌ من المخطط يخص غزة)، فقد اضطرّت —ويجب القول بمرارة— طرفي الانقسام الفلسطيني إلى التوافق على مصير مشترك دون جهود دبلوماسية أو عسكرية تقليدية؛ فباتت الضفة جزءًا لا يتجزأ من الحل في غزة، ولا يمكن فصلهما.

ولكل قرار أثر جانبي: القدس، في هذا الحساب، هي الخاسر الأكبر؛ وفي أفضل الأحوال قد تتحول إلى منطقة دولية تسمح للجميع بممارسة طقوسهم الدينية. ما سبق هو المحور الرئيسي في ما يمكن أن نعتبره تطبيقًا لخطوط صفقة القرن، لكن مع تغييرات مركزية تخدم الولايات المتحدة أكثر من إسرائيل، وفق هذا الطرح.

من زاوية استراتيجية أوسع، تحدث بعض الساسة قبيل الربيع العربي عن أن اتفاقية سايكس ـ بيكو بعد مرور مائة عام يجب أن تنتهي. ما نراه اليوم هو تجديد لهذا الطرح من جوانب متعددة —ليس فقط بالنسبة للفلسطينيين بل أيضًا لسوريا ولبنان ودول الطوق— مع مخططات لاحقة للمنطقة.

الخلاصة: الضفة ارتبطت سياسيًا ومستقبليًا عضويا بالحل في غزة، ولن تكون معزولة عنه. كل ما سيُقَرّ سيُنفَذ بالتوازي في الشطرين. فإذا كان لدى الفلسطينيين من يفكّر استراتيجيًا لَعلّه يصل إلى استنتاجٍ جوهري: الدور الوظيفي لإسرائيل يمكن تفكيكه عبر تغيير المعادلات. في حسابات الخسارة والربح: قد يكون الخيار العملي هو الموافقة على الركوب في قطار ترمب في أقرب محطة… و”اركمعه”