نابلس - غازي مرتجى - النجاح الإخباري - غازي مرتجى- أولاً: حجم المأساة التي عاشها أهل غزة في العامين الأخيرين ولّد صدمة جماعية عميقة، وأنتج – للأسف – سرديات انفصالية ولو على مستوى الشعور. جزء من ذلك سببه الدعاية الإسرائيلية التي شوّهت صورة الغزيين من جهة، وضغطت على الضفة من جهة أخرى، مما جعل أهل غزة يظنون أن الضفة تراجعت تحت تأثير هذه الدعاية، بينما الواقع أن الاحتلال شدّد قبضته هناك وجعل أي فعل شعبي ميداني شبه مستحيل. الأخطر أن الصورة "الخارقة" التي رُسمت للغزيين قلّلت من التعاطف الإنساني الطبيعي، وحوّلت النقاش إلى ميدان صلب بعيد عن المشاعر التي كانوا بأمسّ الحاجة إليها.

ثانياً: هذا الانقسام الوجداني بين غزة والضفة يمثل خطراً على مشروعنا الوطني. فإذا كنا نخاطب العالم ونقول إننا شعب واحد ودولة واحدة مستقبلية، فإن أي شرخ عاطفي أو اجتماعي داخلي سيهدد هذا المشروع من أساسه. لذلك، لا بد أن يكون خطابنا أكثر حكمة وعمقاً؛ فحتى النقد أو الملامة يجب أن يبقيا في إطار نقاش الأخوة والشركاء، لا في إطار تصويرنا ككيانين منفصلين.

ثالثاً: لا بد أن نعترف أن سردية "البطل الخارق" ساهمت في تعميق الفجوة. حين يُنزَع البُعد الإنساني عن الإنسان، يقلّ التعاطف معه. حتى داخل الأسرة الصغيرة، إذا وُصف أحد الأبناء بأنه "قادر على كل شيء"، يُظن أنه لا يحتاج للتعاطف، وكأن ما يعيشه لا ينتقص من إنسانيته. هذه بالضبط هي المعضلة التي وُضِع فيها الغزيون: بُطولة كبرى لكن على حساب حقهم في التعاطف الإنساني البسيط.

رابعاً: الاحتلال يعرف جيداً كيف يستثمر في الفوارق ويفصل الفلسطينيين عن بعضهم إنسانياً وعاطفياً؛ فابن القدس ليس كابن الضفة، وهذا يختلف عن ابن غزة، وكل هؤلاء يختلفون عن فلسطينيي الشتات الذين يتمايزون بين مخيمات لبنان والأردن والخليج وأوروبا. هذه الخلطة الثرية يجب أن تكون مصدر قوة وإبداع، لا انقسام وتشرذم. صحيح أن عاداتنا اليومية في الفرح والعزاء تختلف، لكننا جميعاً نتشارك المصير ذاته. ولعلّني مؤخراً تعرّفت على مجموعة من الإندونيسيين، لديهم أكثر من ٧٠٠ لغة محلية، وينتمون إلى ما يزيد عن ٣٠٠ عرق وقومية حتى طريقة فهمهم للدين تختلف من مكان لآخر، ومع ذلك توحدوا في سرديتهم الوطنية المشتركة. إذا أدركنا نحن الفلسطينيين أن اختلافنا مصدر غنى، فستتحول طاقاتنا إلى قوة جبارة تواجه السردية الصهيونية المزورة .

خامساً: قد يبدو الأمر ثقيلاً على بعضنا، لكن من الضروري أن نتعلم من إسرائيل. مجتمعهم مليء بالانقسامات العرقية والثقافية، ووضعهم الداخلي أكثر تعقيداً من وضعنا، لكنهم عند دولتهم ومشروعهم يتوحدون. نحن أحقّ بهذا النموذج، لأن قضيتنا أوضح وعدالتنا أرسخ، وإذا توحدنا على مشروع وطني جامع فسنتجاوز محاولات الاحتلال تمزيقنا إنسانياً وسياسياً.