بقلم: رفيدة عطايا - رفيدة عطايا - النجاح الإخباري - "الحرية لا تمحو آثار القيود، لكنها تعيد للروح حقّها في التنفّس". تحرر أحمد مناصرة في 10 نيسان / ابريل 2025، بعد سنواتٍ قاسية قضاها طفلاً خلف القضبان، كان ذلك اليوم بمثابة لحظة ضوء خافت في نهاية نفق طويل، لكنه لم يمحُ الألم، ولم يخفف ثقل السنوات التي سُلبت من عمره. خرج أحمد مناصرة من الأسر، لكنّه لم يخرج منه سليمًا. فالسجن، حين يبتلع طفولةً في مهدها، لا يكتفي بإغلاق الأبواب خلف الجسد، بل يزرع أقفاله في الذاكرة، ويترك ندوبه في الوعي قبل الجسد.
الطفولة المسروقة
أحمد مناصرة الذي دخل الزنازين طفلاً في الثالثة عشرة من عمره، غادرها بعد سنواتٍ ثقيلة وهو يحمل على كتفيه ما لا تحمله كواهل الرجال. تحرّر جسديًّا، نعم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أيّ حرية تلك التي تأتي متأخرة عن الطفولة، ومثقلة بتبعات العزل والقهر والتنكيل النفسي والجسدي؟!
في واحدة من الشهادات التي أعقبت تحرّره، عبّر أحمد عن تجربته بعبارات مقتضبة لكنها كاشفة، حين قال: إنّ "الزنازين لا تُغلق أبوابها عند الخروج، بل تبقى مفتوحة في الرأس". جملة تختصر سنواتٍ من العزل الانفرادي، والتحقيق القاسي، والانفصال القسري عن العالم، وتكشف حجم الأثر النفسي الذي رافقه حتى بعد استعادة حريته.
لم يكن أسر أحمد مجرّد حالة اعتقال، بل تحوّل إلى نموذج صارخ لسياسة ممنهجة تستهدف الطفولة الفلسطينية، وتتعامل معها بوصفها خطرًا أمنيًّا، لا كائنًا إنسانيًّا. فمنذ لحظة اعتقاله، تعرّض لتحقيق قاسٍ لا يراعي سنّه ولا هشاشة نفسيته، حيث أكّدت عائلته مرارًا أنّه خرج من تلك التجربة "شخصًا آخر"، على حدّ توصيف والده.
ما بعد الأسر: معركة غير مرئية
يقول والد أحمد، في شهادة تختلط فيها الأبوة بالعجز: "أُعيد إلينا جسده، لكن روحه ما زالت خلف القضبان". عبارة تختزل رحلة عائلةٍ عاشت سنواتٍ من القلق والانتظار، وراقبت بألمٍ التدهور النفسي الذي أصاب طفلها، في ظل تجاهل ممنهج لكل النداءات الحقوقية والطبية.
كما يؤكد والد أحمد، في حديث مؤلم اختلطت فيه اللغة بالتنهيدة: "كنا نعدّ الأيام لنراه، لكننا لم نكن نعرف أيّ أحمد سيعود!". عبارة تختزل سنواتٍ من القلق، والخوف من المجهول، ومراقبة التدهور النفسي لطفلٍ لم يُمنح حقّ النمو الطبيعي.
اليوم، بعد تحرّره، يعود أحمد إلى عالمٍ تغيّر عنه كثيرًا، كما تغيّر هو عنه. يعود إلى عائلةٍ أنهكها الانتظار، وإلى مجتمعٍ يستقبله بالفرح المشوب بالحذر، خوفًا على هشاشة روحه التي أعادها الاحتلال مثقلة بالصدمة. فالتحرّر، في حالته، لا يُقاس بخروجٍ من بوابة السجن، بل بقدرة حقيقية على استعادة الذات، والاندماج مجددًا في حياة سُرقت سنواتها قسرًا.
إن ما بعد الأسر بالنسبة لأحمد ليس نهاية حكاية، بل بداية مواجهة من نوع آخر. مواجهة مع ذاكرةٍ ثقيلة، ومع آثار نفسية تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد، لا إلى احتفالات عابرة. وهو ما شدّد عليه والده حين أكّد على أنّ "الحرية الحقيقية تبدأ حين يتوقف الخوف داخل ابنه"، في إشارة إلى الحاجة الماسّة للدعم النفسي والاجتماعي المتواصل.
قضية أحمد مناصرة بعد تحرّره تعيد فتح ملفّ الأطفال الأسرى، وتطرح أسئلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها: كيف يمكن لطفلٍ أن يُحاكم كمجرم؟! وكيف يُختصر مستقبله بملف أمني؟! وكيف يُترك بعد تحرّره وحيدًا في مواجهة آثار جريمة لم يرتكبها، سوى كونه فلسطينيًّا؟!
أحمد اليوم حرّ… لكن حريته تظل ناقصة، ما لم تتحوّل قضيته إلى شهادة حيّة على فشل المنظومة الدولية في حماية الطفولة، وعلى ضرورة محاسبة الاحتلال على جرائمه بحق الأطفال. فالحكاية لم تنتهِ عند بوابة السجن، بل بدأت هناك، حيث خرج طفل لم يُمنح فرصة أن يكون طفلاً ويعيش طفولته البريئة، وترك خلفه سنواتٍ من عمرٍ لن يعود.