نابلس - طلال عوكل - النجاح - ما يقرب من شهر ونصف الشهر على توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، دون أن تتغير العوامل التي تسببت في اشتعال الوضع.
في الواقع ليس ثمة ما يدعو للاعتقاد أو المراهنة على إمكانية تحقيق تهدئة أو هدنة طويلة مع الاحتلال، دون أن تغير إسرائيل سياساتها العدوانية الاحتلالية والعنصرية والاستعلائية إزاء الفلسطينيين.
قطاع غزة لا يزال تحت الحصار، رغم بعض المظاهر الكذابة، التي تبدو أنها تساهل إسرائيلي، فالشكوى لا تزال موجعة.
مدير سلطة المعابر، يقول إن فتح معبر "كرم أبو سالم"، جزئياً، والسماح بدخول بعض المواد، لا يلبي الحد الأدنى، إذ لا تسمح إسرائيل بدخول المواد الخاصة بالصناعة.
يتكبد التجار ورجال الأعمال مبالغ طائلة بسبب إصرار إسرائيل على احتجاز البضائع لأشهر طويلة في ميناء أسدود، وبعضها قد يصيبه التلف قبل أن تفرج عنه.
عملية إزالة الركام، أنجزت نحو خمسين في المئة من المهمة، وثمة وعود بأن عملية إعادة الإعمار ستبدأ بعد إنجازها، ولكن من يبشر بذلك، لا يشرح للناس، كيف سيتم ذلك في ضوء التعقيدات الهائلة التي تحول دون ذلك، لأسباب كثيرة.
الجولة الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة في القاهرة بين وفدي حماس وإسرائيل، انتهت إلى الفشل، لأن إسرائيل تربط كل الملفات بملف تبادل الأسرى ودون أن تبدي استعداداً لدفع الثمن. الخلاف الفلسطيني الفلسطيني حول الإشراف على عملية إعادة الإعمار وآلياته، ووصول الأموال يشكل عقبة أخرى أمام انطلاق العملية، والمانحون توقفوا عند إبداء الاستعداد للدعم نظرياً.
السياسات الإسرائيلية وإجراءاتها التعسفية لم تتوقف وإنما اتخذت أشكالاً جديدة في القدس، فالمستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى كل يوم، وعمليات الهدم والاعتداء على السكان في حي البستان وبطن الهوى والشيخ جرّاح، لا تزال مستمرة، وعلى مختلف المحاور في الضفة، تقع اشتباكات.
ثمة عملية تضليل أصبحت مكشوفة إزاء قرار إزالة مستوطنة "أفيتار" على أراضي بيتا، حيث حل جيش الاحتلال بدلاً من المستوطنين الذين حصلوا على مساومة مع الحكومة، تسمح لهم بالحصول على أذونات للبناء كل ثلاثة أشهر.
كل ذلك، مجرد تعبيرات واضحة عن تصاعد التوتر والصراع، الذي لم يعد لأحد السيطرة عليه، أو إطفاؤه حتى لو أن عجلة "الرباعية الدولية" عادت للدوران.
وفي أراضي 1948، تستمر عمليات القتل والعنف، والاعتداءات العنصرية، ويعترف مدير عام الشرطة، أن "الشاباك" وعملاءه هم من يتحمل المسؤولية ويعطل عمل الشرطة.
في ضوء كل ذلك، من غير الممكن أن يظهر الدخان الأبيض، ولا يكفي التدخل الأميركي الواضح، لمنع اندلاع جولة قتال جديدة، تكون أكثر قسوة مما سبق.
في الواقع فإن حكومة الرأسين، لا تجد لها مصلحة في تجديد العدوان، الواسع على القطاع، فرغم تواصل التهديدات إلاّ أن الأهداف السياسية من وراء عملية جديدة، غير واضحة، ولكنها في ضوء المزايدات بين أطراف اليمين من داخل ومن خارج الحكومة، فإنها مستعدة للمغامرة من أجل بقائها. ولكن ليست إسرائيل هي من يقرر وحدها اتجاه تطور الأحداث، فالأوضاع الداخلية الفلسطينية المضطربة والمتوترة قد تتسبب في التصعيد، وقد يتسبب استمرار تعنت إسرائيل إزاء حصار قطاع غزة، وانغلاق الأفق أمام عملية إعادة الإعمار، قد يتسبب ذلك في اندلاع موجة أخرى من التصعيد.
وقد تضطر الإدارة الأميركية لرفع "الفيتو" على إمكانية قيام إسرائيل بشن عدوان آخر، إذا استمرت عملية الجمود، وبقيت الأوضاع بعيدة عن إمكانية تحضير الميدان لإطلاق المسار السياسي وليس لرغبة منها في أن تنشغل في ملف الشرق الأوسط.
من الواضح أن إدارة بايدن تركز جهودها على أولويات مختلفة في مقدمتها الصين، وروسيا، والملف النووي الإيراني، وتخشى أن تؤدي عملية عسكرية إسرائيلية إلى انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط، بما يجعله ميداناً لصراع القوى الكبرى.
على طريقة أن لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم، لا يمكن لحركة حماس وفصائل المقاومة أن تخرج من المولد بلا حُمّص، بعد الانتصار الذي حققته في ميدان الصراع، والحال هو أن إسرائيل، لا تترك لفصائل المقاومة لا حُمّص ولا عدس، فلقد أعادت الأمور إلى ما قبل العدوان الأخير، مع صفر تسهيلات وتفاهمات.
ومن باب المحافظة على العلاقة الجيدة مع القاهرة، التي تمسك بالملف، تمتنع فصائل المقاومة عن التصعيد، ولكنها تتبع سياسة سحب الذرائع، مع قليل من الضغط الميداني.
العودة لإطلاق البالونات الحارقة، التي تتسبب في إشعال حرائق في المناطق الزراعية والحقول في غلاف غزة، ولكن بوتائر تحمل رسائل، ولكنها مرشحة للتصعيد أكثر، إذا لم تصل تلك الرسائل لمن يفترض أن تصل إليه.
إسرائيل بدورها ترد ولكن بحذر، حيث يواصل الطيران الحربي جولات القصف المكلفة.
معادلة صعبة في الواقع، فمقابل كل بالون لا يكلف أكثر من خمسة أو عشرة شواكل، يقوم الطيران الحربي، بإطلاق الصواريخ على نحو عبثي وفقط للتظاهر بجدية حكومة الرأسين.
يتساءل المعلق جال بيرغر، عن جدوى مثل هذا القصف، وما مدى تأثيره على حركة حماس، بعد أن لم تنجح إسرائيل طيلة العدوان السابق في إحداث مثل هذا التأثير.
الخيارات مفتوحة على كل السيناريوهات، خصوصاً أن الأوضاع الإقليمية، مضطربة جداً، وحبلى بأحداث ضخمة على خلفية السياسة الأثيوبية المدعومة إسرائيلياً، فيما يتعلق بسد النهضة وتأثيراته الاستراتيجية على دول المصب، وفي ضوء التمدد الأمني والعسكري في البحر الأحمر، والخليج والمحيط الهندي.
وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي، لا يزال الصراع على أشده بين الحكومة الهشة، وبين المعارضة التي يقودها نتنياهو، ولا تختلف الأوضاع على الأراضي الفلسطينية حيث تصاعد المقاومة الشعبية، وتصاعد الاحتجاجات، بشأن جريمة مقتل نزار بنات، وملف الحريات، وأيضاً في ضوء تصاعد الصراع بين الحركات الفلسطينية الرئيسة.
كل ما يظهر على السطح، أو في الخفاء يشير إلى أن الصراع، هو المحرك الأساسي للأحداث، خاصة في ضوء فشل مشروع التسوية، وتراجع الأحلام والمراهنات على إمكانية تحقيق رؤية الدولتين.