أحمد عيسى - النجاح - لا مبالغة بالقول إن الجولة الأخيرة من المواجهات التي اندلعت في كل أرجاء فلسطين الانتدابية بين الفلسطينيين ودولة الأحتلال الإسرائيلي، والتي كان أشرسها معركة “سيف القدس” التي نشبت بين فصائل المقاومة في قطاع غزة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، قد وسّعت من مروحة التحديات التي باتت تواجه حركة “فتح” مؤخراً، لا سيما بعد صدور مرسوم إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة بتاريخ 15/ 1/ 2021.
فقد وضعت الانتخابات المتوقعة حركة “فتح” أمام تحدي استعادة شرعية السيطرة على النظام السياسي الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية، التي كانت قد فقدتها خلال جولة الانتخابات السابقة في العام 2006 وفازت فيها حركة “حماس” بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، التحدي الذي بات من المستحيل معالجته، لا سيما بعد عزم مجموعة من قيادات “فتح” المؤثرة على خوض الانتخابات من خلال كتلة انتخابية منافسة لكتلة “فتح” الرسمية، الأمر الذي كان أحد موجبات قرار تأجيل الانتخابات.
المفارقة هنا أن قرار تأجيل الانتخابات لم يخفف من حدة آثار تحدي إجراء الانتخابات، بل أضاف تحدياً آخر، إذ أظهرت عملية إخراج قرار التأجيل حركة “فتح” كأنها تقيم وزناً لمكانتها في النظام السياسي على حساب حق الشعب الدستوري في انتخاب ممثليهم في البرلمان.
وبينما الحال كذلك، اندلعت معركة “سيف القدس”، التي علا فيها صوت غرفة العمليات المشتركة في غزة بقيادة كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس”، على كل الأصوات، التي أعلن الشعب الفلسطيني برمته في فلسطين الانتدابية وخارجها وبشكل عابر لكل الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية التفافه حول هذا الصوت مؤيداً وداعماً وفرحاً بما يشاهد ويسمع.
وقد ساهم هذا الالتفاف في زيادة قائمة التحديات التي تواجه حركة “فتح”، لا سيما أن البعض قد رأى في هذا الالتفاف قرينة على تأييد شعبي عارم للنهج الذي تسير عليه القوى السياسية التي تتشكل منها غرفة العمليات المشتركة، وشاهداً على كفر الشعب بنهج التسوية السياسية والمفاوضات وابتعاده عنه، إذ بات واضحاً لأصغر الفلسطينيين سناً بعد ثلاثة عقود على انخراط الفلسطينيين الجاد في هذه التسوية أن غاية إسرائيل منها ليس التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الصراع مع الفلسطينيين، بل غايتها هي فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني وإجباره على الإقرار بالرواية الصهيونية في فلسطين، الأمر الذي رفضه ويرفضه الفلسطينيون برمتهم، وفي مقدمتهم منظمة التحرير الفلسطينية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه فيما تتفق هذه المقالة مع جدل البعض بأن اعتبار التأييد الشعبي العارم لصواريخ ومدافع المقاومة في غزة بمثابة تصويت شعبي على انتقال الشعب من مربع التسوية إلى مربع المقاومة المسلحة ينطوي على نوع من التسرع في استخلاص النتائج، إلا أنها في الوقت نفسه تؤكد أن الشعب الفلسطيني لم يعد يحتمل بقاءه يتقلب على أديم نار الوضع الحالي، لأن البقاء على الوضع الحالي ببساطة أكثر كلفة من الخروج عليه، وهذا هو التحدي الأساس الذي ترى هذه المقالة أنه يواجه حركة “فتح” في المرحلة الحالية إضافة إى ما سبق من تحديات.
وفي السياق ذاته، كانت الجولة الأخيرة من المواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل بجيشها وشرطتها ومستوطنيها التي ربما تكون قد هدأت على حدود قطاع غزة، إلا أنها لا تزال مشتعلة في باحات المسجد الأقصى وضواحي القدس ومناطق الاحتكاك في الضفة الغربية وداخل مناطق العام 1948، قد أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الفلسطينية عامة، وداخل حركة “فتح” خاصة، حول ماذا بعد هذه الجولة؟ إذ يتفق الجميع على أن مابعد هذه الجولة ليس كما قبلها، الأمر الذي ينطوي على تحدٍّ آخر لحركة “فتح” يفرض عليها توفير أجوبة لكل ما تضمنه هذا الجدل من تساؤلات، وما أكثر هذه التساؤلات!
وفي هذا الشأن ينبغي لفت الانتباه إلى أن محاور التساؤل والاستقراء التي يدور حولها الجدل الذي أعقب المعركة في أوساط حركة “فتح” ومناصريها ومؤيديها ومحبيها التي يمكن ملاحظتها في كتابات أصحاب الرأي من كتابها، وفي مساهمات عناصرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر ورشات العمل وحلقات التفاكر، وعلى الرغم من أهمية ووجاهة هذه المحاور فإنها تتناول في مجملها الأعراض القائمة للأزمة، ولم تقترب بعد من الأسباب المنشئة لها، الأمر الذي لا يمكن اعتباره في حالة حركة “فتح” بأنه جدل يؤسس لحالة جديدة قد تقوم أو يجب أن تقوم، أي أنه جدل لا يمكن تصنيفه بأنه يرسي معالم رؤية استراتيجية للتغيير.
وتأسيساً على ما تقدم يمكن تصنيف وترتيب التحديات التي تواجه حركة “فتح” في المرحلة الحالية بأنها تحديات ذات طبيعة استراتيجية وليست تكتيكية، وتتضمن أربعة تحديات، يدور أولها حول قدرة الحركة وأجهزتها المختلفة على إدراك هذه التحديات، وعدم إنكارها والتهرب من مواجهتها بالاختباء خلف إرث الماضي والاكتفاء بقراءتها ضمن سياق المؤامرة، ويتركز ثاني هذه التحديات في قرار الخروج على الوضع القائم وتحديد البدائل التي تضمن خروجاً آمناً للشعب من المأزق الذي يعيشه. أما ثالث هذه التحديات، فيدور حول الحاجة لتغيير الصورة النمطية التي أصبحت راسخة في ذهن أبنائها ومحبيها بأنها لم تعد تمثل المشروع المناهض للمشروع الصهيوني في فلسطين، ويتركز التحدي الرابع على مدى قدرة “فتح” على التحول والتغيير، بالرغم من أنها بلغت من العمر عتياً، وعلى مدى قدرتها على تحديد واختيار من هم أولئك الذين تتوفر بهم الأحقية والأهلية على تحمل مسؤولية نقل الحركة مما هي عليه الآن، لواقع يريده ويبتغيه أبناؤها ومناصروها الذين آمنوا يوماً أن “فتح” هي الطريق الأقصر لفلسطين حرة ديمقراطية.
يقيناً، هناك تحديات أُخرى تواجه “فتح” لم تتطرق إليها هذه المقالة، لكن ظني أن ما تضمنته هذه المقالة من منهجية لتشخيص التحديات يشكل أساساً لجدل ونقاش جاد يفضي إلى تطوير رؤية استراتيجية حان وقتها لتجنب عواقب قد تكون وخيمة إذا استمر الحال على ما هو عليه، لا سيما أنه بقدر التحديات هناك فرص ونقاط قوة، منها ما هو أصيل لا تزال “فتح” دون غيرها من القوى والفصائل تحتكر امتلاكه، ومنها ما كشفته وعبرت عنه الجولة الأخيرة من المواجهة.
وتتجسد أول نقاط قوة فتح في أنها لا تزال من خلال قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، تمتلك بصفة حصرية ليس حق تمثيل الشعب الفلسطيني والتحدث باسمه وحسب، وإنما أيضاً حق المصادقة دون غيرها من الأطراف على أي خطة أو مشروع أو صفقة أو تسوية، وإلا فقدت هذه الصفقة أو الخطة شرعيتها.
وتدور ثاني هذه النقاط حول ما بحوزة منظمة التحرير الفلسطينية التي تقودها “فتح” ورقة الاعترافات الدولية المتراكمة، بما في ذلك قرار ترفيع وضعها إلى مرتبة دولة غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما أسّس له هذا القرار من انضمام فلسطين إلى كثير من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها محكمة الجنايات الدولية، الأمر الذي يؤسس لفتح جبهات مواجهة جديدة مع دولة إسرائيل العنصرية.
ومن حيث الفرص، فقد أكد التضامن الشعبي العالمي غير المسبوق الذي رافق هذه الجولة من المواجهة عدالة القضية الفلسطينية، الأمر الذي أعاد للقضية الفلسطينية ألقها ورونقها، وصعّب على الحكومات الغربية، الشريك الأكبر لإسرائيل في مشروعها الاستعماري، لا سيما الحكومة الأمريكية، الاستمرار في دعم العنصرية الإسرائيلية.
ويقف على رأس قائمة الفرص التي أنتجتها المواجهة الأخيرة حالة الوحدة غير المسبوقة التي تجسدت بين قطاعات الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، فضلاً عما كشفته من أصالة معدن الشباب الفلسطيني، لا سيما قطاع الفتيات، الأمر الذي أثبت بشكل قاطع أن هذا المعدن لم يتأذَّ طوال العقود الماضية التي استثمر فيها كثيراً لإعادة تشكيل هذا المعدن بما يخدم مصالح الاحتلال والاستعمار.

 

نقلا عن القدس