نابلس - صادق الشافعي - النجاح - يمكن القول الآن إن الاتفاق المصري السوداني الأخير حول سد النهضة، يشكل تطوراً نوعياً وفي الاتجاه الصحيح والمطلوب، في المواجهة المشتركة لمخاطر سد النهضة على البلدين، وفي التصدي المشترك للمطامح وللتعنت الإثيوبي. خصوصاً وان الاتفاق يأتي في توقيت لم يبق معه من الزمن سوى بضعة شهور على بدء إثيوبيا المرحلة الثانية من ملء خزان السد.
الاتفاق والترحيب به يتجاوز الجدل والملامة عن التأخر في التوصل اليه، وحول بعض التمايز الذي كان قائماً بين الموقفين المصري والسوداني في التعامل مع المشروع.
السد بالطريقة التي تصر وتتعنت إثيوبيا على بنائه يُلحق أضراراً ومخاطر جسيمة بمصر والسودان، من مدخل الأمن المائي، وهي أضرار ومخاطر تتخطى الزراعة والاقتصاد بشكل عام، وإمكانية استيعابها والتعايش معها، وان بصعوبة، لتصل الى الأضرار المباشرة بمقومات الحياة اليومية للمواطن العادي في البلدين.
وإثيوبيا ليست جاهلة بحقيقة وعمق هذه الأضرار بل هي تعلمها منذ البداية، وزاد من تأكيدها دراسات وحقائق علمية واقعية وملموسة انجزها البلدان المعنيان، إضافة الى الكثير من الجهات الأفريقية والدولية الرسمية وغير الرسمية.
المطلب المركزي والأول لمصر والسودان، ظل ثابتاً وهو التوصل مع إثيوبيا الى اتفاق سياسي ملزم برعاية قارية او دولية حول السد وحول إدارته وآلية ملئه وتشغيله، وبما يضمن مصالح البلدان الثلاثة.
الإصرار والتعنت الإثيوبي قاد، وما زال، الى رفض كل المقترحات من كل الجهات ورفض وإفشال كل الوساطات الدولية حتى تلك المحاولة الأميركية الخجولة للتوسط أيام ترامب.
إن الإصرار والتعنت الإثيوبي ينطلق، بداية من الطموح والآمال الوطنية في بناء إثيوبيا موحدة وقوية، مقترناً مع الطموح بزيادة قوتها ودورها الاقتصادي ووزنها السياسي في القارة الأفريقية، وعلى حساب الدور المصري بالذات.
وامتد التعنت والإصرار الإثيوبي، ليصل الى حدود إثيوبيا البرية مع السودان والتي كانت قد رسمت بينهما واستقرت من زمن الاستعمار البريطاني.
فقد بدأت إثيوبيا بإعلان التمسك وفرض سيادتها على مساحات من الأراضي السودانية كان فلاحون إثيوبيون قد امتدوا اليها وقاموا بزراعتها وهم يزرعون أراضيهم الملاصقة، في مناخ فوضى الحدود بين الدول في أفريقيا.
وجاء هذا الموقف ليخلق بؤرة خلاف إضافية تهدد بالانفجار خصوصاً وأنها تتعلق مباشرة بالأرض الوطنية والسيادة عليها.
الطموح الإثيوبي، ومعه الإصرار والتعنت، يجد الدعم والإسناد بأشكال متنوعة ومختلفة من أكثر من مصدر:
المصدر الأول، هو دولة الاحتلال الصهيوني (إسرائيل) والتي تجد في الطموحات الإثيوبية مدخلاً واسعاً لها الى نهر النيل ومياهه وطموحاتها الخاصة في فرض دور لها بالتحكم فيه والسيطرة عليه وعلى مياهه ومسارها.
خصوصاً وان هذا الطموح ظل -ولا يزال- في أسس ومرتكزات الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال التي نجحت في اقامتها. ولا يزال شعاراً مرفوعاً في مجلسها التشريعي (الكنيست) «دولة إسرائيل من الفرات الى النيل».  إضافة الى إضعافه الدولة المصرية ودورها بالمنطقة عموماً الدعم والإسناد من دولة الاحتلال اتخذ ولا يزال أكثر من شكل وتعبير:
اولها الدعم السياسي القوي، بالذات في موجهة محاولات التدخل والتأثير والحلول من أي جهة أتت. ثم، الدعم بالتقنية وبالخبراء وبالخبرة الأكثر تطوراً، وليس انتهاءً بالدعم الاقتصادي.
مؤخراً بدأ الدعم التركي يُطل برأسه مدفوعاً بطموحات حضوره وتواجده في القارة الأفريقية، إضافة الى مشاغلة بعض الدول وبالذات دولة مصر خدمةً لسياساته وطموحاته.
المصدر الثاني، هو حال الضعف الشديد، وعدم الجدية، وربما التواطؤ في الدور الدولي، سواء في دوله، او في مؤسساته الدولية والمجتمعية بشكل عام.
وهذا الضعف يقترب من حال موات الفعل والتأثير في الدور الأفريقي  سواء من دوله منفردة او من مؤسساتها الجامعة.
هذا الحال من الضعف، ليس بعيداً عن تأثير دولة الاحتلال وضغوطها السياسية والاقتصادية، إضافة الى تأثير دول أخرى عالمية ومؤثرة، ناهيك عن غياب دور المنظمات الدولية المعنية منها بالذات.
اما المصدر الثالث، لكن غير المباشر، فهو الحال العربي المستهلك تماماً والقابع في حال من الغياب عن كل دور وفعل في مواجهة التعنت والتصلب الإثيوبي ومشروع سده المهدد.
واقع الحال العربي، إضافة الى أزمته العامة، يكشف بشكل سافر عن مشاكل تعيشها أنظمة عربية عديدة تضعها في حال الحاجة الى الدعم والمساندة لذاتها، وحال العجز عن تقديم العون لغيرها.
الاتفاق الذي توصلت له مصر والسودان على التعامل مع التعنت والتصلب الإثيوبي يفتح باب الأمل على معالجة أفضل وتصدٍ أصلب، خصوصاً وأن الاتفاق يدعو الى انخراط دائم وفعّال للاتحادين الأفريقي والأوروبي، إضافةً الى الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة، والى تحميلهم مسؤولية مباشرة ودائمة في التوصل الى اتفاق ملزم ودائم حول السد وإقامته وملئه وإدارته بين الأطراف المعنية. وبما يخدم مصالحها جميعاً دونما تجاوز او اعتداء.