نابلس - رجب أبو سرية - النجاح - كشفت صحيفة «إسرائيل اليوم» عن تلقي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو دعوة لزيارة مصر، وصفتها بأنها الأولى من نوعها منذ عقد من السنين، أي منذ الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، حيث يتوقع أن يجري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معه مباحثات تتناول عدة ملفات بما يصل إلى ترتيب المواقف، استعداداً لتولي جو بايدن الرئيس الأميركي المنتخب زمام أمور الحكم في الولايات المتحدة الشهر القادم.
في الحقيقة فإن الدعوة تعني أن القاهرة هي التي تبحث عن ترتيب أوراقها، استعداداً لبايدن، خاصة أن دعوة نتنياهو لزيارة مصر تجيء بعد زيارة السيسي لفرنسا، فيما نتنياهو يبدو أنه ما زال مشغولاً باستثمار ما تبقى من أيام في ولاية دونالد ترامب، كما أنه يبدو أقل قلقاً من كثير من قادة الشرق الأوسط، فقد حصل على كل ما رغب فيه من ترامب، وبايدن لن يعيد عقارب الساعة السياسية للوراء، ولن يكون بالنسبة له «أسوأ» من باراك أوباما، وهو كما يقول المثل: «اللي فيه مكفيه»، نقصد أنه منهمك في مواجهة التحديات الداخلية أكثر من أي شيء آخر، ولكن لا بأس بالنسبة له من مواصلة العمل على أن تظل تل أبيب محور الاهتمام بالنسبة لمعظم الدول العربية ذات التأثير الإقليمي لتعزيز قدرة إسرائيل في مواجهة التحدي الإقليمي الأهم أمامها وهو التحدي الإيراني.
يبدو أن إسرائيل بعد ما أحدثته من اختراق بالجانب العربي، ليست قلقة كثيراً حتى من عقد مؤتمر دولي أو إقليمي خاص بالشأن الفلسطيني، لكن قلقها يتمركز في تصعيب الأمر على بايدن فيما يخص الملف الإيراني، وما دام أنها نجحت في إقناع ما سمي محور الاعتدال العربي بأن كل الخطر عليها يأتي من إيران وليس منها، فإنها ستكتفي بما حققته في عهد ترامب فيما يخص الملف الفلسطيني، ولا بأس من توحيد موقف العرب معها فيما يخص الملف الإيراني.
وصحيح أن التغيير في الإدارة الأميركية سيوقف الاندفاعة الإسرائيلية فيما يخص الملف الفلسطيني، لكن ما حققته من اختراق في الموقف العربي، سيعني أن تعرضها للضغوط حتى تتنازل في هذا الملف لن يكون كبيراً، فقط وحدها السعودية التي تفاجئها حالياً بمشكلة ما في هذا الخصوص، لكن ذلك لن يجبرها على التقدم في صفقة التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل وفق المبادرة العربية.
التحدي الأهم بالنسبة لنتنياهو يكمن في الداخل، حيث ما زالت التظاهرات التي تمنع إغلاق ملف القضاء مستمرة، بما يمنع انهيار حالة التحدي الداخلي، حيث إن إجراءات تفكيك الحكومة جارية بعد أن أقر الكنيست حل نفسه بالقراءة الأولى وتحديد موعد السادس عشر من آذار القادم يوما لإجراء انتخابات الكنيست الثالث والعشرين.
المشكلة تكمن هنا في أن الليكود ورئيسه سيذهب لانتخابات الكنيست مجبراً، رغم أن استطلاعات الرأي تتوقع لليمين أغلبية مطلقة تمنحه القدرة على تشكيل الحكومة، وذلك بعد أن تآكل تحالف الوسط مع جنرالات الجيش الذي شكل بديلاً عن اليسار، لكن بروز مراكز قوة يمينية أخرى هذه المرة يعني أن هناك من يقف في وجه تشكيل الحكومة برئاسة نتنياهو والليكود.
وهذا كان سبباً في تمنع الليكود ونتنياهو عن مواصلة تهديد بيني غانتس و»أزرق _ أبيض» بالانتخابات الجديدة، كما فعلا طوال الشهور الماضية التي تلت تشكيل الحكومة الحالية، وكما أسلفنا في مقالات سابقة، فإن التحدي اليميني الأهم جاء من قبل تحالف أحزاب اليمين (يمينا) وزعيمه نفتالي بينيت، لكن ما بين التصويت الأسبوع الماضي على مشروع المعارضة بحل الكنيست، وموافقة لجنة الكنيست أول من أمس على قانون حل الكنيست، ظهر مستجد آخر يضيف تحدياً آخر لنتنياهو ويتمثل في ظهور قوة النائب الليكودي جدعون ساعر، الذي كان قد ترشح قبل الانتخابات السابقة داخل برايمريز الليكود لرئاسة الحزب الحاكم.
كان ترشح ساعر عشية الانتخابات السابقة محاولة للحفاظ على حكم الليكود مقابل التضحية بنتنياهو شخصياً، بعد أن تجمع الخصوم على هدف إسقاطه شخصياً، لأنه كان مثقلاً بتهم الفساد، لكن نتنياهو واصل التحدي وهزمه في برايمريز الليكود، ليضع الحزب اليميني أمام الخيار الوحيد، وهو أن يخوض الانتخابات إما كرابح أو كخاسر مع نتنياهو.
الأمر اليوم مختلف، فاستطلاعات الرأي تمنح ساعر، في حال انشقاقه عن الليكود وتأسيسه حزباً جديداً، الحصول على سبعة عشر مقعداً، فيما يحافظ الليكود على المقدمة بخمسة وعشرين مقعداً، و»يمينا» على تسعة عشر، وهذا يعني أن اليمين سيحقق الأغلبية البسيطة دون الأحزاب الدينية ودون «إسرائيل بيتنا»، أغلبية بالأحزاب الثلاثة المذكورة.
أي أن ظهور حزب ساعر سيكون على حساب التجمع الوسطي، من «أزرق - أبيض» وييش عتيد،» وذلك بعد انضمام النائبين الليكوديين يوعاز هيندل وتسبي هاوزر اللذين كانا انضما سابقا إلى «أزرق - أبيض».
هذه الخارطة توفر قوة إضافية لساعر، لو أنه تم تأكيدها خلال الأسابيع القادمة، بما يجعل من خطوة ساعر بالانشقاق مقبولة على اليمين، الذي لن يكون بحاجة للتحالف لا مع «أزرق - أبيض» ولا مع أفيغدور ليبرمان ولا حتى مع الأحزاب الدينية، أي لا خوف على اليمين عموماً من نتيجة الانتخابات القادمة، بعد أن انزاح المزاج الشعبي كثيراً باتجاه اليمين، لكن المزاج يرغب في الإبقاء على يمينية الدولة مع علمانيتها، أي بعد التحرر من اليسار، جاء الدور للتخلص من السمة الدينية للدولة.
هذه الوجهة التي قد تمضي إليها إسرائيل قدماً مع الانتخابات القادمة، رغم أن صورتها لم تتضح تماماً، قد تتضمن على الأغلب إخراج نتنياهو من مقدمة المسرح، أو على الأقل تسحب منه دور البطولة، فتتشكل حكومة من غيره أو منه ولكن مع وجود مثلث قيادي، يبقي عليه خلال مرحلة انتقالية، تخرجه إلى التقاعد بالتدريج، وبعد وقت.