بشير عبد الفتاح - النجاح - على رغم خصوصية التجربة السياسية لكل من مصر وروسيا، في وسع المدقق في الظروف التي تحيط بالاستحقاقين الرئاسيين المزمع إجراؤهما في البلدين بالتزامن، في غضون أسابيع، أن يطأ مواضع شتى للتلاقي.

فمن حيث التوقيت، يتواكب إجراء الانتخابات الرئاسية الروسية مع نظيرتها المصرية، الشهر المقبل، وكذلك يخوض الرئيسان فلاديمير بوتين وعبدالفتاح السيسي الاستحقاقين في شكل مستقل. فبينما يترشح الرئيس المصري لدورة رئاسية ثانية، كما الحال في المرة السابقة، مستقلاً وبلا ظهير سياسي، أعلن الرئيس الروسي أخيراً، وعلى خلاف المرات الثلاث السابقة، أنه سيخوض الانتخابات المنتظرة كمرشح مستقل وبغير دعم من حزب «روسيا الموحّدة»، الموالي للكرملين والمهيمن على السلطة في البلاد منذ عقدين. وأرجع بوتين، ذلك، إلى رغبته في دعم أعرض قطاع ممكن من المواطنين للبقاء في الكرملين لفترة رئاسية رابعة، بمنأى عن أي انتماءات حزبية ضيقة.

واقتضت خصوصية الظرف التاريخي أن يظل الرئيسان وكأنهما لا يزالان «مرشحي الضرورة»؛ خلال المرحلة الحرجة والحساسة من تاريخ بلديهما والمنطقة برمتها، وفي ضوء التحديات الجسام تجاه بلديهما، في وقت ينزلق الشرق الأوسط والعالم أجمع إلى المزيد من عسكرة التفاعلات وتصعيد الأزمات واندلاع الصراعات، بدلاً من تفعيل السياسة لتسوية النزاعات ونزع فتيل الصراعات. وهو الأمر الذي يبرز حاجة مصر وروسيا الملحة إلى قيادات رشيدة وقوية، تجمع بين الحكمة والحزم، كما تتحلى ببعد النظر والكياسة، بما يؤهلها لاتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية في أوقات صعبة وحساسة، وهي الصفات التي غالباً ما تتوافر في الشخصيات ذوات الخلفيات العسكرية والاستخبارية كالسيسي وبوتين.

أما على صعيد البيئة الانتخابية، فيتشابه الاستحقاقان في وجوه أبرزها افتقاد كليهما السخونة السياسية والمنافسة الحقيقية، إذ لا يوجد منافسون جادون لبوتين أو السيسي. فبخصوص السباق الرئاسي الروسي، الذي أعلن قرابة عشرة مرشحين، بينهم سياسيون وإعلاميون ورجال أعمال، نيتهم خوض غماره في مواجهة بوتين، يتوقع آخر استطلاع للرأي أجراه مركز «ليفادا» المستقل، حصول الأخير على تأييد 75 في المئة من أصوات الناخبين، متقدماً بفارق كبير على الشيوعي غينادي زيوغانوف والقومي فلاديمير جيرينوفسكي. وفيما لم يتمكن الليبرالي أليكسي نافالني، المعارض الأول لبوتين، من الترشح بسبب ملاحقات قضائية، رشح المعسكر الليبرالي مذيعة التلفزيون كسينيا سوبتشاك، التي تشير استطلاعات الرأي إلى أنها لن تحصل على أكثر من واحد في المئة من الأصوات.

بدوره، أعرب بوتين عن أسفه، لكونه لا يواجه منافسين يعتدّ بهم. وخلال مؤتمر صحافي بعد أيام من إعلان ترشحه لولاية رئاسية رابعة، وأثناء إجابته عن سؤال حول أسباب عدم وجود معارضة قوية له، نفى بوتين أي مسؤولية عن هذا الخلل البنيوي في العملية السياسية الروسية، واتهم المعارضة بالفشل أمام نجاح سياساته، بخاصة الاقتصادية منها، والعجز عن تقديم أي أفكار أو بدائل عملية إيجابية لحل مشكلات روسيا، مكتفين بإحداث الضوضاء في الساحات العامة وانتقاد النظام بدلاً من بلورة رؤى ومبادرات تدفع بالبلاد إلى الأمام. وشدد بوتين على أنه يؤمن بضرورة التنافسية سواء في السياسة أو الاقتصاد، مؤكداً سعيه لبناء «نظام سياسي مرن ومتوازن». وبينما ألمح إلى أنه من السابق لأوانه تحديد برنامجه الانتخابي، أعلن بوتين نيته التركيز على قضايا ذات أولوية، كتوجيه الاقتصاد صوب التكنولوجيا المتقدمة، وتحسين البنية التحتية، وزيادة دخل المواطن ورفع مستوى معيشته. لم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى الماراثون الرئاسي المصري المرتقب، فبعد بحث مضنٍ عن مرشحين ينافسون السيسي (ولو شكلياً) بغية إضفاء شرعية قانونية ودستورية على العملية الانتخابية، انتهى الأمر إلى منافس وحيد مغمور طالما أعلن تأييده للسيسي. ومثلما تكبل عوائق قانونية وضبابية سياسية كما ضغوط دعائية بعض راغبي الترشح للسباق الرئاسي الروسي، عرف نظيره المصري أمراً مشابهاً؛ وهو ما يجعل نتائج الاستحقاقين معروفة سلفاً.

كذلك، تعاني بيئة الاستحقاقين من فجوة ثقة بين السلطة والمعارضة، بدت في توجيه دعاة الديموقراطية وحقوق الإنسان في البلدين سهام نقدهم لنهج الرئيسين بوتين والسيسي، الذي يتلاقى عند إعطاء القضايا الأمنية والاقتصادية أولوية قصوى. فبينما يصر معارضون روس على اتهام بوتين باستخدام وسائل الإعلام الرسمية وأجهزة القضاء والشرطة لـ «شيطنة المعارضة الليبرالية وتهميشها وتضييق الخناق عليها»، لا يفتأ معارضون مصريون يكيلون اتهامات مماثلة للسيسي، بل يلحون في المطالبة بضمانات لنزاهة الانتخابات. ويبدو أن التحدي المحوري الذي سيواجهه كل من السيسي وبوتين خلال الاستحقاقين المقبلين، سيكمن في كيفية الارتفاع بمنسوب شرعيتهما السياسية عبر تفعيل المشاركة بإقناع أكبر قطاع ممكن من الناخبين بالتصويت. فيما يخص الاستحقاق الروسي، الذي أكد 28 في المئة فقط من الناخبين، حتى الآن على الأقل، أنهم سيدلون بأصواتهم فيه، أبى الرئيس بوتين إلا السعي لتحفيز أكبر عدد من المواطنين على المشاركة في تلك الانتخابات، من خلال إثلاج صدورهم بسحب قطاع واسع من القوات الروسية العاملة في سورية، وتأكيده خلال حديثه إلى الجنود الروس في قاعدة حميميم الجوية، أن «الوطن الأم ينتظركم بعدما أنجزتم مهمتكم».

أما بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المصرية، والتي يستبد القلق بمراقبين كثر من احتمالات تواضع نسبة المشاركة الشعبية فيها، توقع ماجد عثمان، مدير المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) أنها لن تتجاوز 20 في المئة.

ومن جانبه كان السيسي دعا في تصريحات متلفزة إلى التصويت في الاقتراع المنتظر بكثافة، معتبراً أنه «سيحدد مصير البلاد».

وتوخياً لتجسير فجوة الثقة واحتواء أزمة المشاركة، أبدت السلطات المصرية حرصاً لافتاً على تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص وإفساح مجال العمل السياسي بكل حرية وبغير قيود، كما شددت على نيتها إجراء انتخابات نزيهة، تتمتع بتغطية شاملة ومتواصلة من وسائل الإعلام المحلية والدولية، وتحظى بمتابعة منظمات وجهات معنية على الصعيدين المحلي والدولي، مع إشراف قضائي تام من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات. أما السلطات الروسية، فقد شددت هي الأخرى، على التزامها السماح لمراقبين محليين ودوليين بمتابعة الاستحقاق الرئاسي المقبل، وعزمها استخدام تكنولوجيا غير مسبوقة في مختلف مراحله ومجرياته، بما ييسر الأمور على الناخبين، ويحول دون وقوع تجاوزات أو أخطاء، مثلما يتيح إعلان النتائج النهائية في صباح اليوم التالي لانطلاق عملية الاقتراع.

* كاتب مصري