غيداء نجار - النجاح - استيقظت عند التاسعة صباحاً فدوامي اليوم ليس باكراً بل بالفترة المسائية، وكعادتي ذهبت لأبحث عن أمي، وإذا بصوت أمي تطلق الآآآآه وتذرف الدموع، وحين سؤالها ما بها تقول "راااح شب بعمر الوردة.. حسبي الله ونعم الوكيل.. الله يصبر أمه" لا أعلم لماذا ذهب فكري مباشرة له، لربما لأننا ومنذ بداية الملاحقة ونحن ننام والخوف يرابط بقلوبنا من أن نستيقظ على نبأ استشهاده.

نعم أنا أتحدث عنه، أنه هو كما أطلق عليه شعبه "الأسطورة، الشبح، الفارس، ارطغرل فلسطين، القنبلة الموقوتة، أنه الأحمد الذي تحدث عنه أحمد درويش في قصيدته"الأحمد".

أنه الأحمد الذي انتصر على دولة بأكملها.. وأربك معادلات جهاز الشابك بأسره، أنه الأحمد الذي أمسى رمزاً للنضال وهتف له شعبه "طلقة بطلقة ونار بنار ... وحيولي أحمد جرار".

لم أستوعب كلمات أمي ولكن دموعها ترجمت كل الحقيقة، قلت أنه من المحتمل أن يكون إعلامنا قد اخطأ كالمرة الماضية التي أعلن فيها عن نبأ استشهاده ولم يكن هو، أو ربما من استشهد ليس بهو بل من كان معه وربما هو فر ككل مرة أداخ فيها قوات الاحتلال وأفشلهم في الإطاحة به، وضعت عدة احتمالات كي لا أصدق ولربما لأنني لا أريد أن أصدق، صدقاً ولأول مرة كنت أتمنى أن يخطأ إعلامنا وألا يكون الخبر صحيحاً، وأن يقع بالهفوة نفسها التي وقع بها أول مرة.

توجهت مباشرة لهاتفي لأشبك الانترنت وأتصفح المواقع علني أجد ما يسر خاطري، ولكن الصدمة كانت أن الكهرباء مفصولة عن البلدة منذ ساعات الصباح، فاتصلت بإحدى زميلاتي في الموقع الإخباري وعندما أجابتني بصحة المعلومة وأنه قد استشهد، كانت كلماتها تصل لطبلة أذني بإيقاع مربك وكان صوتها حزين.. نعم فلست وحدي من تعلق بروح أحمد. لست وحدي من كان يدعو له ليلا ونهارا.. فالنساء والرجال، الصغار والكبار كانوا يهتفون لأحمد.

توجهت لشرفة المنزل لأتنفس بعمق قليلاً فبعد هذا الخبر شعرت أن الدماء توقفت في أروقة جسدي.. وبعدما أخذت الشهيق والزفير.. أمعنت النظر بالسماء فإذا هي ليست كعادتها بل كئيبة، حزينة، علمت حينها أنها أيضاً بكت احمد مطولاً منذ ساعات الفجر.

وأثناء تنقلي بالمواقع وصفحات التواصل الاجتماعي لأقرأ المزيد عن أحمد، وجدت أن من صفاته "الهدوء".. وجميعنا نعلم مقولة "وما بعد الهدوء إلا بركان يثور" وقد ثار الأحمد على قدسه، على قاتل أطفال شعبه وسجان أصدقائه.

وعند رؤيتي لصور مكان الاستشهاد ومقتنياته التي لازمته أينما ذهب وكانت تتمثل في سلاحه ومصحفه الذي أهداه إياه والده، ذهب عقلي مباشرة لتذكر قصيدة الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود:

سأحمل روحي على راحتي ... وألقي بها في مهاوي الردى

فإمّا حياة تسرّ الصديق ... وإمّا مماتٌ يغيظ العدى

26 يومأ مر على فخر الشعب الفلسطيني بالأحمد.. و624ساعة على خوف وإرباك وعجز دولة الاحتلال، فقوات الاحتلال طاردت الشهيد جرار طوال هذه الأيام وهي تتهمه بعملية قتل الحاخام "رزيئيل شيبح" في مستوطنة "حفات جلعاد" الذي كان مسئولاً عن تنفيذ عشرات الاعتداءات الإرهابية بحق الفلسطينيين.

وعندما تتعمق وتحلل تفاصيل عملية اغتيال الشهيد لتصل أن هناك عميلاً يدعي أنه فلسطينياً يعيش بيننا ويأكل على طاولتنا، هو من خان الأمانة والعهد وأبلغ عن مكان ابن بلده، حينها ينغص قلبك خنجراً.. وأعتقد أنه بات لزاماً على حكومتنا أن تقوم بواجبها بإمساك هؤلاء الخونة وإعدامهم بدم بارد ليكونوا عبرة لغيرهم.