نابلس - النجاح الإخباري - مع اقتراب نهاية الأسبوع الأول من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لا تبدو ملامح الحسم واضحة حتى الآن، رغم التفوق العسكري الواضح للطرفين المهاجمين. وبينما تؤكد واشنطن وتل أبيب تحقيق إنجازات عملياتية كبيرة، لا تظهر القيادة الإيرانية أي مؤشرات على الاستسلام، في وقت يتسع فيه نطاق المواجهة ليشمل عدة ساحات إقليمية ودولية.
تفوق عسكري دون حسم سياسي
تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الضربة الافتتاحية للحرب حققت نجاحًا عملياتيًا كبيرًا، مع استمرار السيطرة الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية على مجريات الأحداث داخل إيران، ما يُترجم إلى ضربات دقيقة استهدفت مواقع حيوية. ومع ذلك، يبدو أن طهران مصممة على مواصلة القتال وتفعيل أذرعها في المنطقة، مع توسيع دائرة المواجهة لتشمل دول الخليج وأطرافًا أوروبية مثل قبرص وأذربيجان.
ورغم حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن اقتراب النصر، فإن نهاية الحرب ما تزال غير واضحة. فقد تحدث ترامب عن فترة تمتد أربعة إلى خمسة أسابيع لتحقيق أهداف الحرب، بينما قدر مصدر أمني إسرائيلي أن الجيش سيحتاج إلى أسبوعين على الأقل من القتال.
ويبرز خلاف غير معلن حول أهداف الحرب، إذ لم تتضمن بيانات البيت الأبيض أي إشارة صريحة إلى تغيير النظام في إيران. ويرى محللون إسرائيليون أن تحقيق “الانتصار الكامل” يتطلب إسقاط النظام، وهو هدف غير مضمون في ظل عدم وضوح استعداد الولايات المتحدة لاستثمار الموارد والوقت اللازمين لذلك.
حرب إقليمية متعددة الساحات
مع استمرار القتال، اتخذت الحرب طابعًا إقليميًا واسعًا. فقد أطلقت إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل وعدد من دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، كما امتد إطلاق النار إلى قبرص وأذربيجان. ويثير هذا التصعيد مخاوف في دول الخليج من احتمال نفاد صواريخ الاعتراض قبل انتهاء الترسانة الهجومية الإيرانية.
في الوقت نفسه، انخرط حزب الله في المواجهة بالتنسيق مع طهران، مطلقًا رشقات صاروخية متزامنة باتجاه إسرائيل بهدف إغراق أنظمة الدفاع الجوي. وردت إسرائيل بسلسلة غارات جوية استهدفت بيروت والبقاع وجنوب لبنان، مع تعزيز انتشارها العسكري في الشريط الحدودي وتهديدها بالسيطرة على مناطق إضافية.
كما تستعد الميليشيات الشيعية في العراق لإطلاق طائرات مسيّرة، بينما تتوقع إسرائيل احتمال تدخل الحوثيين في اليمن. ويعكس هذا المشهد حربًا إقليمية حتى وإن لم تشارك جميع الأطراف فيها بالدرجة نفسها.
توسع المواجهة إلى الخليج وأوروبا
امتد نطاق الحرب من المحيط الهندي شرقًا إلى قبرص غربًا. ففي أذربيجان، تعرض إقليم ناخيتشيفان لهجوم بطائرات مسيّرة إيرانية أصابت مبنى في مطار الإقليم وموقعًا قرب مدرسة، ما أدى إلى إصابة أربعة مدنيين. واتهم الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف طهران بتنفيذ “هجوم إرهابي”، مطالبًا بتفسير واعتذار، في حين نفت إيران المسؤولية واعتبرت الهجوم عملية إسرائيلية تهدف إلى توتير العلاقات بين الدول الإسلامية.
وفي أوروبا، بدأت دول عدة التحرك لحماية مصالحها في المنطقة. فقد وافقت فرنسا على استخدام قواعدها من قبل القوات الأمريكية بشرط أن يقتصر دورها على الدفاع عن الشركاء الإقليميين. كما أعلنت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وهولندا إرسال قوات بحرية لحماية قبرص، بالتزامن مع إعلان باريس إرسال حاملة الطائرات “شارل ديغول” إلى البحر المتوسط خلال الأيام المقبلة.
الخليج في قلب المواجهة
في دول الخليج، تواصلت الهجمات الإيرانية، إذ أصاب صاروخ منشأة تكرير حكومية في البحرين وأشعل حريقًا جرى إخماده، بينما أفاد سكان أبوظبي بسماع انفجارات ناجمة عن اعتراض صواريخ. وفي مضيق هرمز تعرضت ناقلة نفط لهجوم بزورق غير مأهول قرب الكويت.
وأظهرت بيانات رسمية حجم المواجهة الجوية، حيث اعترضت الإمارات 181 صاروخًا باليستيًا من أصل 196 و1001 طائرة مسيّرة من أصل 1072، بينما اعترضت الكويت 178 صاروخًا و384 طائرة مسيّرة. كما دمرت البحرين 74 صاروخًا و123 طائرة مسيّرة، واعترضت قطر 98 صاروخًا باليستيًا وأسقطت طائرتين إيرانيتين من طراز “سوخوي-24”.
وقد أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام.
معركة بحرية وضغوط دولية
في المحيط الهندي، أغرقت غواصة أمريكية فرقاطة إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، ما أدى إلى مقتل 84 بحارًا. وفي أعقاب ذلك قامت البحرية السريلانكية بإجلاء 208 بحارة من فرقاطة إيرانية ثانية وصلت إلى المنطقة، مؤكدين أنهم لا ينحازون لأي طرف وإنما يعملون على إنقاذ الأرواح.
وتشير هذه الخطوات إلى تصميم الولايات المتحدة على تدمير القدرات البحرية الإيرانية التي تعد أحد أهم أدوات الردع لدى طهران.
حسابات سياسية داخلية
في إسرائيل، يحظى قرار الحرب بدعم واسع نسبيًا في استطلاعات الرأي، رغم المخاوف من تداعيات اقتصادية وحياتية، خاصة مع استمرار إغلاق المدارس وبقاء الأطفال في المنازل. وفي المقابل، يبدو أن نتنياهو يمر بفترة سياسية مريحة نسبيًا، بعد توقف محاكمته الجنائية وتراجع الجدل الداخلي حول قضايا أخرى مثل قانون التجنيد.
كما يكشف مستوى التنسيق غير المسبوق بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي عن شراكة عسكرية وثيقة، إذ يجري الهجوم المشترك بتنسيق يومي مكثف بين القيادتين العسكريتين في البلدين.
معضلة الحرب الطويلة
رغم الضربة الافتتاحية القوية، لا تزال الحرب تبدو بلا زخم حاسم حتى الآن. فإيران تواصل إعادة تشغيل قدراتها العسكرية بسرعة، بما في ذلك خطوط إنتاج الصواريخ ومنصات الإطلاق التي تضررت في الضربات الأولى، في حين يطرح استمرار المواجهة تساؤلات داخل إسرائيل حول قدرة الاقتصاد على تحمل جولات قتال متكررة بهذا الحجم.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال المركزي المطروح في تل أبيب وواشنطن: هل ستقود العمليات العسكرية إلى حسم فعلي يغير موازين القوى في إيران، أم أن الحرب ستنتهي في النهاية بتسوية سياسية جديدة تعيد طرح الملف النووي الإيراني على طاولة المفاوضات؟