منال الزعبي - النجاح الإخباري - في 30 آذار 1976، خرج الفلسطينيون في الجليل احتجاجًا على قرار إسرائيل مصادرة أكثر من 20 ألف دونم من أراضيهم الزراعية. كانت الشرارة الأولى لثورة مدنية سقط خلالها 6 شهداء وأصيب العشرات، لتؤكد أن الأرض ليست مجرد مساحة، بل رمز للهوية والكرامة، ورسالة واضحة: الفلسطيني لا يفرّط بحقّه.
خمسون عامًا مرت، وتغيرت الأساليب، لكن الصراع على الأرض مستمر، أكثر دقة وقسوة، مع استمرار المقاومة والصمود الفلسطيني. لم تعد المصادرة تقتصر على القصف أو التهجير القسري، بل تحوّلت إلى هندسة صامتة: قوانين تمنع البناء، مخططات تمنع التوسع، ضغوط اقتصادية تهدد استدامة الحياة، وعمليات "تسوية" غير شرعية تستهدف الأراضي الزراعية. كل هذه الأدوات تهدف إلى تقييد الحركة الفلسطينية وتقليص فرص النمو، ومع ذلك يواصل الفلسطينيون التمسك بأراضيهم؛ كل بيت يُعاد بناؤه، وكل شجرة تُزرع هي مقاومة يومية.
الأرض تتقلص… والمقاومة تتسع
خلال الخمسين سنة الماضية، شهدت فلسطين تغييرات كبيرة: ما تبقى للفلسطينيين في الداخل لا يتجاوز 3% من أراضيهم التاريخية، فيما سيطرت إسرائيل على أكثر من نصف الضفة الغربية، وأنشأت نحو 150 مستوطنة جديدة، ليعاد رسم الخريطة يوميًا.
في غزة، بعد الحروب المتكررة منذ 2008، دُمّرت أكثر من 90% من البنية التحتية للمدن والمخيمات، ومع ذلك أعاد السكان بناء حياتهم، وزرعوا آلاف الأشجار، وفتحوا المدارس والمرافق الصحية، متحدين حصارًا مطبقًا وجدارًا طويلًا من القيود الإسرائيلية.
الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات على مسار طويل من الاقتلاع والتهجير، لكن المفارقة أن الإنسان الفلسطيني، كلما ضاقت الأرض تحت قدميه، اتسع تمسكه بها. في كل بيت مهدد، وفي كل أرض يُصارع الاحتلال للسيطرة عليها، يزداد الإصرار على البقاء، وكأن الأرض نفسها تمنح أهلها قوة إضافية للتمسك بها.
من المصادرة إلى "الهندسة الصامتة"
اليوم، لا يقتصر تهجير الفلسطينيين على القوة العسكرية، بل أصبح جزءًا من خطة ممنهجة لإعادة تشكيل المكان باستخدام آليات غير شرعية قانونيًا واقتصاديًا تهدف إلى السيطرة وتقييد الحركة الفلسطينية:
-
سياسات تهدف للهدم والإخلاء، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى مناطق معرضة للاستيلاء.
-
مخططات تمنع البناء وتشرعن التوسع الاستيطاني، لتقييد نمو القرى والمدن الفلسطينية.
-
ضغوط اقتصادية تدفع نحو الهجرة القسرية أو الطوعية، وتقوّض استدامة الحياة الفلسطينية.
هذه "الهندسة الصامتة" تمثل محاولة لإضعاف قدرة الفلسطيني على المقاومة، بأساليب أكثر دقة وقسوة من الطرق التقليدية.
غزة: الأرض تحت الركام
في غزة، تأخذ الأرض معنى أكثر قسوة، حيث تصادر الأرواح والممتلكات ويصبح العيش على الأرض تحديًا يوميًا. ومع ذلك، يتمسك الأهالي ببقايا ركامهم، ويعيدون بناء المنازل، ويزرعون الأشجار، ويرممون الشوارع، كأن كل خيمة تُنصب وكل بيت يُرمم هو انتصار صغير، لكنه جزء من النسيج الكبير للصمود الفلسطيني.
اليوم، لم يعد الفلسطيني يحيي يوم الأرض كذكرى فقط، بل يعيشها في كل أرض مهددة، وفي كل حي يُطرد سكانه، وفي كل شجرة تُقتلع. بعد خمسين عامًا، لم تنتصر الأرض، ولم تُهزم، لكنها بقيت، وهذا في حد ذاته شكل من أشكال النصر الفلسطيني: صامت، يومي، ومؤثر. كل يوم وفي كل مكان يكتب الفلسطيني حكاية جديدة للبقاء، وللأرض التي لا تُنسى، ولا تُهزم.
المصدر: المحرر + وكالات