نابلس - النجاح الإخباري - إشارة راديو غامضة بالفارسية تبثّ أرقاماً مشفّرة منذ اليوم الأول للضربات الأمريكية-الإسرائيلية، وتُحيّر خبراء الاستخبارات وهواة رصد الموجات حول العالم.
في مساء الثامن والعشرين من فبراير 2026، وبعد نحو اثنتي عشرة ساعة فقط من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حملة قصف واسعة النطاق استهدفت مواقع عسكرية وقيادية إيرانية — أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ظهرت على تردد 7910 كيلوهرتز على موجات الراديو القصيرة إشارةٌ لم يسمع بمثلها أحدٌ منذ سنوات: صوت رجل يتحدث بالفارسية بنبرة هادئة، يردّد كلمة "توجّه" (أي "انتباه") ثلاث مرات، ثم يشرع في قراءة سلاسل طويلة من الأرقام التي تبدو عشوائية تماماً.
هذه الإشارة، التي باتت تُعرف في أوساط مجتمع رصد الموجات الراديوية باسم V32 — وهو التصنيف الذي منحته إياها مجموعة Enigma2000 البريطانية المتخصصة في رصد محطات الأرقام وتوثيقها — تمثّل أول محطة أرقام جديدة تظهر منذ سنوات، وفقاً لموقع Priyom.org، وهو مرجع دولي يديره هواة راديو متخصصون في فهرسة هذا النوع من البث وتحليله.
وبحسب ما وثّقه فريق Priyom، فإن المحطة تبثّ مرتين يومياً بانتظام: عند الساعة الثانية صباحاً والسادسة مساءً بالتوقيت العالمي المنسّق (UTC)، علماً بأن بثّ المساء يكرّر في الغالب محتوى بثّ الصباح.
ويمتدّ البث أحياناً لفترات طويلة، ويتخلّله تكرار كلمة "توجّه" ثلاث مرات للفصل بين مقاطع الأرقام. كما رصد المراقبون نغمات صوتية مزدوجة التردد (620 و925 هرتز) في خلفية البث، يُعتقد أنها ناتجة عن طبيعة المعدات المستخدمة. بل إن أحد موجات البث في السابع من مارس تسرّبت خلاله أصوات نظام تشغيل ويندوز 10، ما يُشير إلى استخدام حاسوب شخصي في منظومة البث.
تقنية من زمن الحرب الباردة
هذا النوع من البث يُعرف في أدبيات الاستخبارات باسم "محطات الأرقام" (Numbers Stations)، وهي تقنية تعود إلى حقبة الحرب الباردة، تعتمد على بثّ رسائل مشفّرة عبر موجات الراديو القصيرة إلى عملاء سريين في مناطق مختلفة من العالم. يستطيع أيّ شخص يملك جهاز استقبال التقاط الإشارة والاستماع إليها، لكن فكّ شفرتها مستحيل دون امتلاك ما يُعرف بـ"دفتر المرة الواحدة" (one-time pad)، وهو مفتاح تشفير يُستخدم مرة واحدة ثم يُتلف.
يقول أكين فرنانديز، الذي يُعدّ من أبرز الخبراء العالميين في محطات الأرقام ومؤلّف مشروع "كونيت" (The Conet Project) — وهو أرشيف صوتي ضخم لمئات التسجيلات من محطات أرقام حول العالم — في تصريح لإذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية (RFE/RL): "تشفير محطات الأرقام غير قابل للكسر بشكل مطلق. المفاتيح الرقمية المُستخدمة عشوائية تماماً، ولا توجد عمليات رياضية يمكن استخدامها لكسرها بالقوة الغاشمة."
وأضاف: "حتى لو تسرّبت الإجابة بنصّ واضح، فليس بالضرورة أن تكون مفهومة" في غياب سياقها الاستخباراتي.
التشويش وتغيير التردد
بعد خمسة أيام من بدء البث، في الرابع من مارس 2026، تطوّر الوضع بشكل لافت. فقد بدأ جهاز تشويش من نوع "bubble jammer" — معروف بإصداره ضوضاء نبضية فقّاعية تُغرق الإشارة المستهدفة — ببثّ تشويش كثيف على التردد ذاته (7910 كيلوهرتز) خلال أوقات البث المعتادة لمحطة V32.
وبحسب ماونو ريتولا، مدير قواعد البيانات في مركز Radio Data Center الألماني، فإن جهاز التشويش هذا "هو نفسه تماماً من حيث النوع الذي يُستخدم ضد راديو فردا، وصوت أمريكا بالفارسية، وقناة إيران إنترناشيونال على الموجات القصيرة، وبي بي سي فارسي"، في إشارة إلى منظومة التشويش الإيرانية المعروفة التي تستهدف البث الأجنبي الموجّه إلى الداخل الإيراني.
بعد التشويش، توقّفت المحطة لفترة وجيزة ثم عاودت البثّ على تردد جديد: 7842 كيلوهرتز، وهو ما يُشير — وفق تحليل موقع Covert Access Team المتخصص — إلى أن "المشغّل لا يزال بحاجة إلى إيصال الرسائل، لكنه لم يعد يعتبر القناة الأصلية صالحة للاستخدام."
من يقف وراء V32؟
أظهرت نتائج تحليل تثليث الإشارة بتقنية TDoA (فارق زمن الوصول)، التي أجراها فريق Priyom بالتعاون مع مراقبين دوليين، أن مصدر البث يقع على الأرجح في غرب أوروبا، في منطقة تشمل شمال إيطاليا وسويسرا وغرب ألمانيا وشرق فرنسا وبلجيكا وهولندا — أي بعيداً تماماً عن الأراضي الإيرانية.
هذه المعطيات، مقرونة بحقيقة أن التشويش جاء من جهاز إيراني معروف، دفعت معظم المحللين إلى الاعتقاد بأن V32 هي عملية موجّهة ضد إيران وليست صادرة عنها. وقد تبلورت عدة فرضيات رئيسية:
الفرضية الأولى ترى أنها عملية استخباراتية غربية — على الأرجح أمريكية عبر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) — تستخدم منشآت أوروبية في دولة حليفة لإرسال تعليمات مشفّرة إلى عملاء داخل إيران، لا سيما في ظل قطع النظام الإيراني للإنترنت. وقد أشار فرنانديز في تصريحه لـ RFE/RL إلى أن "الأرجح أنها عملية موجّهة ضد إيران"، مستنداً إلى تحليل قدرات التشويش لدى الأطراف المختلفة. غير أن فريق Priyom يُلاحظ أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية انتقلت منذ زمن بعيد إلى وسائل اتصال رقمية أكثر تطوراً.
الفرضية الثانية تطرح احتمال أن تكون جماعة معارضة إيرانية في المنفى هي من يُشغّل المحطة، مستخدمةً الموجات القصيرة كوسيلة بديلة للتواصل مع الداخل الإيراني بعد حجب الإنترنت. لكن فريق Priyomيُبدي تشكّكاً في هذه الفرضية، إذ أن أيّ جهاز استخبارات كفؤ كان سيرصد المحطة فوراً ويتتبّع مصدرها، ما يعني أن تشغيلها يتمّ بالضرورة بعلم حكومة الدولة المضيفة وموافقتها الضمنية على الأقل.
الفرضية الثالثة تذهب إلى أن V32 قد تكون عملية حرب نفسية (PSYOP) تهدف إلى إرباك الاستخبارات الإيرانية واستنزاف مواردها. ويدعم هذا التحليل — وفق Priyom — كون المحطة تبثّ على تردد واحد فقط بشكل مكشوف دون آليات تكرار أو تأمين تضمن وصول الرسائل بدقة، وهو ما يتناقض مع ممارسات محطات الأرقام الاستخباراتية الحقيقية التي تستخدم عادةً ترددات متعددة وأوقات متنوعة. وقد نجحت المحطة بالفعل في استدراج أجهزة التشويش الإيرانية، ما يعني تحويل موارد كانت مُوجّهة لحجب محطات إخبارية كراديو فردا وبي بي سي فارسي.
تنبيه أمني أمريكي
وفي تطوّر لافت، أفادت شبكة ABC News في التاسع من مارس بأن الحكومة الأمريكية أرسلت تنبيهاً إلى أجهزة إنفاذ القانون بشأن "اتصالات مشفّرة مُعترَضة"، جاء فيه: "رغم أن المحتوى الدقيق لهذه الإرسالات لا يمكن تحديده حالياً، فإن الظهور المفاجئ لمحطة جديدة ذات خصائص إعادة بث دولية يستدعي مستوى مرتفعاً من اليقظة الاستخباراتية." ولم يُحدّد التنبيه ما إذا كانت الإشارة المعنية هي V32تحديداً.
من جانبها، لم تُعلّق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على الموضوع، ولم تردّ على استفسار وجّهته إليها إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية.
وهكذا تبقى محطة V32 لغزاً مفتوحاً في خضمّ حرب مفتوحة. ما هو مؤكد أن صوتاً ظهر على الأثير في اللحظة ذاتها التي اشتعلت فيها الحرب، وأن طرفاً آخر سعى بسرعة لإسكاته، وأن المعركة على موجات الأثير بين البثّ والتشويش لا تزال مستمرة حتى اليوم. أما السؤال الجوهري — هل هي رسائل حقيقية إلى عملاء سريين داخل إيران، أم مناورة لاستنزاف موارد الخصم؟ — فيظلّ بلا إجابة قاطعة.